«المتدرّب»: كيف يشرح لنا فيلم سينمائي ما يفعله ترامب بالعالم اليوم؟
تشرين الاول ٢٠٢٦
بدأت القصة من دافع شخصي بسيط: ودفعتني الأحداث المتسارعة في العالم، والتحولات الجسيمة التي نشهدها خلال العامين الأخيرين من حروب وإعادَة تشكيل لخارطة النفوذ الدولي، إلى البحث عن «كتالوج» يفهمنا كيف يفكر الرجل الذي يجلس في البيت الأبيض. وسط حالة عدم اليقين بشأن ما قد تحمله السنوات القادمة للعالم، وجدتُ الضالة في فيلم سينمائي لم يكتفِ برصد التاريخ، بل قدم مفتاحًا لتفكيك الشخصية: إنه فيلم «المتدرّب» (The Apprentice).
يقدم العمل — بتوقيع المخرج الدنماركي من أصل إيراني علي عباسي — أكثر من مجرد سيرة ذاتية سينمائية؛ إنه وثيقة تشريحية تضع يدك على اللحظة التي صُنع فيها «دونالد ترامب» كما نراه اليوم، مستعينًا بأداء استثنائي للممثلين سيبستيان ستان وجيريمي سترونج.
من الأزقة الخفية إلى أروقة النفوذ
لا يأخذك الفيلم إلى الصالونات السياسية المكيفة، بل يعود بك إلى نيويورك عام 1973. هناك، نرى ترامب الشاب في أواخر عشرينياته، يتحسس خطواته الأولى في شركة والده العقارية، يطرق أبواب المستأجرين بنفسه في مدينة تئن تحت الفوضى والانهيار الاقتصادي. وفي منتصف ذلك الشحوب، يلتقي ترامب بالمحامي الأسطوري روي كوهن في نادٍ اجتماعي خاص، مستجديا مساعدته في قضية تمييز عنصري تلاحق إمبراطورية عائلته.
هنا يكمن جوهر العمل: كيف تحوّل كوهن من مجرد محامٍ إلى «عرّاب» تلقف الشاب المتردد، وحشا عقله بأدبيات السلطة والنفوذ التي أصبحت اليوم تحكم قراراتٍ تغير مصائر دول بأكملها.
ينبش الفيلم في الجذور النفسية بترامب متتبعًا نشأته في كوينز بنيويورك تحت ظل أبٍ صارم ومتسلط هو فريد ترامب. لم تكن الأبوة هنا حاضنة بقدر ما كانت مضمارًا قاسيًا للضغط؛ فالفيلم يرسم ترامب الشاب كابنٍ ثانٍ هش يحاول إثبات ذاته أمام أبٍ لا يتوقف عن السخرية منه وحثه على أن يكون قويا في سوق لا يعترف بالضعفاء.
ولكن، رغم سنوات الانضباط الخمس التي قضاها ترامب في الأكاديمية العسكرية، فإن تلك القسوة الأبوية لم تكن كافية وحدها لصقله؛ بل كانت بحاجة إلى «مهندس» أكثر دهاءً وشراسة ليخرج المارد من مخبئه.
الثلاثية الذهبية: عقيدة لا تتغير
الظل الحقيقي في الفيلم ليس ترامب، بل روي كوهن — المحامي الشهير الذي برز في خمسينيات القرن الماضي خلال حملة «مطاردة الساحرات» ضد الشيوعيين. كان كوهن يتقن التلاعب بالقانون ويتخذ من الشراسة منهجًا. حين التقى ترامب بكوهن، وجد فيه «أبًا روحيًا» يعلمه كيف يرتدي بدلاته، كيف يستولي على الكاميرات، والأهم من ذلك: كيف يفكر بلا هوادة.
من رحم هذه العلاقة، غرس كوهن في وعي ترامب ثلاث قواعد ذهبية، هي نفسها التي نراها تدار بها السياسة الخارجية والداخلية اليوم:
1. الهجوم دائمًا وأبدًا: لا تنتظر ضربة الخصم، بل كن دائمًا في موقع المهاجم؛ فالمدافع خاسر حتمًا.
2. الإنكار التام: إذا حوصِرت في خطأ أو تجاوز، لا تعترف أبدًا.. أنكر كل شيء حتى تتهاوى الحقيقة.
3. ادّعِ النصر دومًا: لا تقبل الهزيمة أبدًا، مهما كانت الخسائر، أعلن نفسك منتصرًا على الدوام.
هذه القواعد الثلاث لم تكن مجرد نصائح قانونية لتجاوز أزمة عقارية في السبعينيات، بل أصبحت البنية التحتية والدستور الحاكم لشخصية ترامب السياسية. من يتابع قراراته وحروبه التجارية والسياسية اليوم، يدرك أن الرجل ينفذ حرفيًا كتاب الطاعة الذي تسلمه من كوهن.
لحظة «مصاص الدماء»: التحول السينمائي
يستخدم علي عباسي أدواته البصرية ببراعة للقبض على لحظة التحول. نرى ترامب في البداية يتلعثم، ترتجف يداه قليلًا، ويسير كظلٍ خلف معلمه. ولكن، تدريجيًا، تبدأ الهشاشة بالتآكل ليحل محلها رجل يعيش على المنشطات للسيطرة على الوقت، ينظر باستعلاء لمن حوله، ويتماهى بالكامل مع القوة.
وتتجسد الذروة الدرامية حين يتفوق التلميذ على معلمه؛ إذ يستولي ترامب على أساليب كوهن وشعاراته، ويتخلى عنه بلا رحمة عندما يضعف المعلم ويصيبه المرض. وصف النقاد هذه اللحظة بـ «تحول مصاص الدماء» — حيث يلتهم التابع قوة سيده، ليصبح المعلم نفسه ضحية للمصنع الذي شيده بيده.
لماذا نحتاج لمشاهدة هذا الفيلم الآن؟
لم يكن غريبًا أن يثير الفيلم غضب ترامب وحملته قبل عرضه، لدرجة محاولة منعه قانونيًا ووصفه بـ «العمل المبتذل»، لكن الفيلم تجاوز ذلك ليحصد إشادات نقدية واسعة في المحافل الدولية.
«المتدرّب» ليس مجرد فيلم عن الماضي، بل هو مرآة للحاضر. فهم ما يجري في العالم اليوم — من تحالفات تتفكك وحروب تدار بمنطق الصفقات الشرسة — يبدأ من فهم العقيدة النفسية التي بُنيت في نيويورك قبل عقود. كما يقول المخرج علي عباسي: «لا توجد طريقة مجازية لطيفة لمواجهة الموجة المتصاعدة من الفاشية».
مشاهدة الفيلم اليوم ليست رفاهية سينمائية، بل هي محاولة لقراءة خريطة الذهن التي تدير العاصفة التي نعيشها جميعًا.
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

تعليقات