top of page

من حقّ الإنسان أن يتغيّرالحلقة الثالثة: العلاقات التي تستمر معنا… وتلك التي تخفت

قبل 18 ساعة
3 دقيقة قراءة

خاطرة الجمعة

د. علاء التميمي

٩ تشرين الأول ٢٠٢٦


ليست العلاقات كائنات ثابتة. نحن نتحدث عنها كما لو كانت شيئًا نملكه، لكنها في الحقيقة شيء يحدث باستمرار، أو شيء يتوقف عن الحدوث دون أن نلاحظ. ولهذا، حين تخفت علاقة، لا يسأل الإنسان عادة: ماذا حدث بيننا؟ بل يسأل: ماذا حدث لي؟ أو ماذا حدث له؟


والحقيقة أن كثيرًا من العلاقات لا تخفت بسبب خطأ، ولا خيانة، ولا موقف كبير؛ إنما تتغير لأن شخصًا تغيّر، أو لأن شخصين تغيّرا، وفي اتجاهين لم يعد بينهما طريق.


خذ الصداقة التي كانت قوية يومًا ثم هدأت. كانت صداقتهما قوية، ثم خفتت بلا عتاب. ربما تسللت بينهما كلمة كاذبة، نقلها حاسد أو سيئ النية، فصدّقها أحدهما ولم يسأل صاحبه عن حقيقتها. هكذا طال الصمت، وصارت الرسائل القديمة تذكّر كلًّا منهما بصداقة أطفأتها كذبة لم يتحقّق منها أحد.


هذا هو الفرق الدقيق بين نوعين من العلاقات:


الأولى: العلاقة القائمة على الدور.

أحبّك لأنك كنت تجلس معي كل ليلة، وأحبّك لأنك توافقني في كل رأي، وأحبّك لأنك ذلك الصديق الذي لا يخالفني، ولا يغيب، ولا يتغير. هذه علاقة تحب فيها الوظيفة التي يقوم بها الشخص في حياتك، لا الشخص نفسه. وهي أول ما ينكسر حين يكبر أحد الطرفين.


الثانية: العلاقة القائمة على القيمة.

أحبّ فيك صدقك؛ فقد تغيّر رأيك مئة مرة ويبقى صدقك. وأحبّ فيك وفاءك؛ فقد تسافر بعيدًا ويبقى وفاؤك. هذه العلاقة لا تتعلق بالحضور فقط، بل بالأساس الذي قامت عليه. وهي وحدها التي تصمد حين تتغير الظروف والأشكال.


ومع ذلك، لا ينبغي أن نظلم العلاقات التي لم تصمد؛ فليس كل انقطاع خيانة، وليس كل صمت جفاء. أحيانًا يبتعد الإنسان لا لأنه لم يعد يحب، بل لأنه لم يعد قادرًا على الحضور بالطريقة التي كان عليها. التعب، والوقت، والمسؤوليات، والأسئلة التي يحملها في داخله، تجعله ينسحب قليلًا؛ لا انتقامًا ولا هجرًا، بل حفاظًا على ما تبقى. والفرق بين الانسحاب الذي هو رحمة، والانسحاب الذي هو هروب، أن الأول يُقال ويُشرح ويُعتذر عنه، والثاني يُترك ليحلّ نفسه ببطء.


والمشكلة أن الناس لا يقيسون العلاقة بما هي عليه، بل بما كانت عليه. يحاسبونك على تغيّر لم يكن بيدك، ويطالبونك بأن تبقى كما كنت، مع أن الذي يحبك حقًا ينبغي أن يفرح بتغيّرك، لا أن يخاف منه. فمن أحبّك من أجل الدور، سيبحث عن بديل يقوم بالدور. ومن أحبّك من أجل القيمة، سيبقى.


وهنا ينبغي أن نكون شجعانًا في سؤال أنفسنا، لا في محاسبة الآخرين فقط: هل نحن نحب أصدقاءنا لما هم عليه، أم لما نريدهم أن يكونوا؟ وهل نقبل تغيّرهم، أم نشعر أنه تهديد لنا؟ فأحيانًا لا تكون خصومتنا مع تغيّر شخص آخر خوفًا عليه، بل خوفًا من أن نفقد دورنا في حياته.


ومع كل هذا، توجد علاقات نادرة لا تكسرها السنوات. تغيب فيها سنوات، ثم تعود، لا لأنها تحمل صورًا قديمة، بل لأنها تحمل شخصًا يعرف أنك لم تبقَ كما كنت، ويحبك على هذا الأساس. هذه العلاقات هي هدايا العمر الحقيقية؛ لأنها تعرف أن الحب ليس حفظًا لصورة، بل مرافقة لشخص وهو يتغير.


فالعلاقة التي تعيش يجب أن تكون أكثر رحابة من صورة. ينبغي أن تسمح لك أن تكبر، وأن تكف عن أن تكون كما كنت، وأن يكون في داخلها متسع للمراجعة والاختلاف، وللغياب الطويل ثم الرجوع دون محاكمة. العلاقات التي يخافها الناس ليست العلاقات التي تنتهي، بل العلاقات التي ترفض أن تتغير.


وإن كنت تسألني عن الحل، فالحل ليس أن نتمسك بكل علاقة، ولا أن نتخلى عن كل علاقة، بل أن نعرف الفرق بين علاقة نحميها وعلاقة نُطلقها. نحمي العلاقات التي تسمح لنا أن نكبر دون أن نتخلى عن قيمنا، ونُطلق تلك التي تريدنا أن نبقى على قياسها، لا على قياس الحياة.


وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق:


إذا كان من حق الإنسان أن يغيّر أفكاره مع الأيام، فما الفرق بين أن يثبت على مبدأ وأن يجمُد على رأي؟ ولماذا يظن بعض الناس أن الوفاء للقيم يعني التمسك بالموقف نفسه مهما تغيّرت الدنيا؟ وهل كل تغيير في الرأي دليل على التناقض؟ أم أن هناك تناقضًا شريفًا، هو ثمن الصدق مع النفس؟


هذا ما سنقف عنده في الحلقة القادمة، حين نتأمل الثبات على المبدأ… والجمود على الرأي.


نُشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
مجتمعات تخاف من ان تستيقظ !

مجتمعات تخاف من ان تستيقظ ! د علاء التميمي تشرين الاول ٢٠٢٦ في زاوية من زوايا الحياة اليومية، دار حوار خاطف بين صديقين، لكنه اختزل في ثناياه مأساة إنسانية تتكرر على مر العصور. سأل الأول: "لماذا لا يصي

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page