top of page

الحلقة الرابعة الثبات على المبدأ… والجمود على الرأي

قبل 13 ساعة
3 دقيقة قراءة

عندما مرّ العمر، أدركت أن أكثر ما كنت أظنه ثباتًا كان، في كثير منه، خوفًا.


كنت أظن أن الرجل الذي لا يغيّر رأيه هو رجل قوي. كنت أرى في المراجعة ترددًا، وفي الاعتراف بالخطأ ضعفًا، وفي تغيير الموقف انكسارًا. ثم مرّت السنوات، ووجدتني أقول أشياء كنت أُنكرها، وأرفض ما كنت أُقدّسه، وأتقبّل ما كنت مختلفا معه ولم يكن ذلك تناقضًا، بل كان اكتمالًا.


وأدركت حينها أن المبدأ والرأي شيئان لا يُخلطان. المبدأ هو الأرض التي تقف عليها، لا تتحرك. والرأي هو الطريق الذي تسلكه، ويتغيّر بتغيّر الأرض والوقت. من يخلط بينهما يظن أنه يحمي قيمه، وهو في الحقيقة يحمي رأيه فقط، ويسميه قيمة.


العدل مبدأ، لكن كيف أُطبّقه؟ كنت أراه في العشرين قانونًا صارمًا، لا يعرف الرحمة. وأراه اليوم قانونًا لا يكتمل إلا بالرحمة. لم أتخلَّ عن العدل، بل فهمته فهمًا أعمق.


والصدق مبدأ، لكن كان رأيي أن الصدق يعني أن أقول كل ما أعرف. ثم فهمت أن الصدق أحيانًا يقتضي أن أُمسك، وأن الصمت قد يكون أصدق من الكلام.


أما الجمود، فقد رأيته في نفسي أول ما رأيته في غيري. وكان له ثلاث علامات، عرفتها بعد أن سقطت في كل واحدة منها:


العلامة الأولى: أن ترتاح حين يخالفك من لا يهمك، وتضيق حين يخالفك من تحب. مع أن الأولى لا تعني شيئًا، والثانية هي التي ينبغي أن تفتح باب السؤال، لا باب الغضب.


العلامة الثانية: أن تعجز عن التمييز بين «كان رأيي صوابًا وقتها» و«رأيي الصائب دائمًا». الأول تواضع، والثاني ادعاء. وأنا كنت، سنوات طويلة، من أصحاب الادعاء.


العلامة الثالثة: أن تظن أن من يخالفك في الرأي يخالفك في القيم. وهذه أخطرها، لأنها تحوّل الاختلاف الطبيعي إلى اتهام، والرأي إلى هوية. وقد رأيت صداقات تنكسر، لا لأن أحدًا خان الآخر، بل لأن أحدهما خالف الآخر في مسألة، فظن الآخر أن المخالفة خيانة.


ثم تعلمت أن الثابت الحقيقي لا يخاف السؤال، والجامد يخافه. الثابت يقول: اسألني. والجامد يقول: لا تسألني، فالسؤال نفسه خيانة. ولذلك، لم أرَ في حياتي من هو أكثر تمسكًا بالمبادئ من أولئك الذين لا يخافون من قول: «قد أكون مخطئًا». ولم أرَ في حياتي من هو أكثر خوفًا على مبادئه من أولئك الذين يرفضون كل سؤال.


وقد مرّ بي شيء كنت أحسبه دليل ضعف، ثم صار عندي دليل قوة: أن أعيد النظر في رأي كنت أعلنه على الملأ. كان ذلك يخيفني في أربعينياتي، ثم صار يمنحني الراحة في ستينياتي. لأنني فهمت أن المراجعة ليست تخليًا عن نفسك، بل تخليصًا لنفسك من رأي كان يجب أن يرحل. وأنت لا تخون ماضيك حين تعدّله، كما لا تخون طفولتك حين تكبر.


ومع ذلك، لا ينبغي للثبات أن يصير صلابة بلا رحمة، ولا للجمود أن يتخفى تحت اسم الوفاء. رأيت رجالًا يسمون عنادهم ثباتًا، ويرفضون كل جديد تحت اسم «نحن هكذا». ورأيت آخرين يسمون تذبذبهم مرونة، ويغيّرون مواقفهم مع كل ريح. والفرق بين الاثنين أن الأول خاف من التغيّر، والثاني خاف من المسؤولية. وكلاهما لم يكن أمينًا مع نفسه.


إن من تجاوز الشباب والكهولة يعرف أن أهم ما يملكه ليس ما قاله، بل ما زال قادرًا على قوله. وأن من كان جسده ثابتًا وعقله ساكنًا، فقد مات قبل أن يموت. أما من كان مبدؤه ثابتًا ورأيه مرنًا، فهو من يعرف الطريق.


وأنا الآن، إذ أكتب هذا، أراجع كثيرًا من آرائي. لا خوفًا من الناس، ولا طلبًا لرضاهم، بل لأنني أريد أن أصل إلى آخر الطريق وأنا صادق. وقد تعلمت أن أترك لنفسي حقَّ أن أكون اليوم غير الذي كنت عليه بالأمس، دون أن أعتذر، ودون أن أخجل. لأن من ثبت على مبدئه، فقد نجا. ومن ثبت على رأيه فقط، فقد ضاع.


فالفرق بينهما هو الفرق بين من يمسك بالبوصلة ويغيّر الطرق، ومن يمسك بالطريق القديم ويظن أنه البوصلة.


وهذا يقودني إلى آخر ما بقي من هذا الكلام: إذا كان من حقي أن أُغيّر رأيي، فهل من حقي أن أُعلن أنني أخطأت؟ وهل الاعتراف بالخطأ ينتقص من الكرامة أم يكملها؟ ولماذا يخاف كثيرون من كلمة «كنت مخطئًا» أكثر مما يخافون من الخطأ نفسه؟ وكيف يبدو الإنسان في السبعين حين ينظر إلى سنواته ويعرف أنه لم يكن دائمًا على صواب، ومع ذلك يحب حياته ولا ينكرها؟ هذا ما سنقف عنده في الحلقة الأخيرة، حين نتأمل قول الإنسان: كنت مخطئًا.


نُشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الحلقة الخامسة: حين يقول الإنسان: كنت مخطئا

كلنا نعرف كيف نخطئ، فهذه طبيعة بشرية لا مشكلة فيها؛ المشكلة الحقيقية تكمن في أن نعرف كيف ننطق بالاعتراف. فهناك خطأ نرتكبه، وهناك لحظة نقرّ فيه به. وبين الاثنين مسافة قد تستغرق سنواتٍ طوالاً، أو لا تُق

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page