top of page

الحلقة الخامسة: حين يقول الإنسان: كنت مخطئا

قبل 13 ساعة
3 دقيقة قراءة

كلنا نعرف كيف نخطئ، فهذه طبيعة بشرية لا مشكلة فيها؛ المشكلة الحقيقية تكمن في أن نعرف كيف ننطق بالاعتراف.

فهناك خطأ نرتكبه، وهناك لحظة نقرّ فيه به. وبين الاثنين مسافة قد تستغرق سنواتٍ طوالاً، أو لا تُقطع أبدًا. وكثيرون يخطئون وهم يعلمون تمامًا أنهم أخطأوا، لكنهم يرحلون عن هذا العالم دون أن تجرؤ ألسنتهم على قول: "كنتُ مخطئًا". لا لأنهم عاجزون عن الكلام، بل لأنهم يخافون من وزن الكلمة وأثرها.

ونحن، في جوهرنا، لا نخاف من الفعل بقدر ما نخاف من مواجهة الذات. فالخطأ يتعلق بحدثٍ عابر، أما الاعتراف فيمسُّ الوجود والماهية. من يعترف بخطئه يشعر، في لحظة هشاشة، كأنه يقول لنفسه: "أنا لم أكن كافيًا". ولذلك يفضّل أن يصمت، أو يراوغ بالتبرير، أو يلقي باللائمة على الطرف الآخر؛ كل ذلك كي لا تمسّ يده المرآة فتنعكس الحقيقة جليّة.

لكن السؤال الذي يجدر بنا أن نتوقف عنده مليًا: من ذا الذي أقنعنا بأن الاعتراف بالخطأ ينتقص من الكرامة؟ هذه فكرة متوارثة ورثناها دون أن نفحصها. الكرامة الحقيقية لا تتجلى في أن نكون على صوابٍ دائمًا، بل في ألا نخشى الحقيقة. ومن يبني كرامته على ادعاء العصمة، فكرامته هشة للغاية، تحتاط بالوهم وتحتاج إلى تصديق الآخرين كي تبقى قائمة. أما من يعترف بخطئه بشجاعة، فكرامته مستغنية عن الشهود، لأنها قائمة على الصدق الخالص مع النفس.

وقد رأينا في دروب الحياة نمطين من البشر:

الأول: رجلٌ يخطئ، ثم يعتذر بصدق، ثم يمضي. هذا لا يفقد من قدره شيئًا، بل يزداد في عيون الناس وعينه رفعة؛ لأنه أظهر شجاعة نادرة، وأعطى من حوله رخصةً إنسانية كي يخطئوا ويعتذروا دون خوف.

والثاني: رجلٌ يخطئ، ثم يتكئ على التبرير، وينتظر من الآخرين أن يعتذروا له! فيظل قابعًا في مكانه، لا يخسر معركته فقط، بل يخسر نفسه أيضًا. لأن من يرفض الاعتراف بالخطأ يظل أسيرًا له؛ يشرحه، ويجمّله، ويخشى أي حديثٍ يقترب من أسواره.

وليس في هذا كله دعوة إلى جلد الذات؛ فالجلد الدائم ليس تواضعًا، بل هو شكلٌ من أشكال الأنانية المقنّعة. من يعيش حياته غارقًا في الندم على كل خطأ، لا يعترف بخطئه في الحقيقة، بل يعترف بأنه ما زال يرى نفسه مركز العالم. أما الاعتراف الناضج فهو أن تقول بوضوح: "أخطأت"، تتعلم الدرس، ثم تمضي قدماً؛ لا أن تتوقف عند العثرة وتعبد ندمك.

وماذا عن الخطأ الذي لا يمكن إصلاحه؟ الخطأ الذي غاب صاحبه، أو انقضى أوانه، أو انكسر فيه ما لا يُجبر؟ هذا أصعب أنواع الاعتراف، لأنه لا يجد أذنًا يعتذر لها. هنا يتحول الاعتراف إلى طقسٍ داخلي خالص: أن تقرّ في عمقك أنك كنت مخطئًا، أن تعتذر من نفسك لنفسك، وأن تُصلح ما تبقى في روحك. فليس كل اعتذار يحتاج إلى آذانٍ تسمعه؛ بعض الاعتذارات لا يسمعها إلا الله، وكفى بالله سميعًا.

ونحن، بعد أن قطعنا من العمر عقودًا وسنوات، ندرك أن الخطأ لم يكن عارضًا في الماضي، بل كان جزءًا أصيلاً من تكويننا ونضجنا. من لم يخطئ لم يعرف الحدود، ومن لم يعرف الخطأ لم يتذوق حلاوة الصواب. ومن يهرب من الاعتراف بالخطأ يستحيل عليه أن يتعلم، بل سيظل يكرره بأشكالٍ جديدة وهو يتوهم أنه على صواب.

وهنا تتجلى الحكمة في معادلةٍ دقيقة: أن نكون رحماء بأنفسنا بما يكفي لنكمل الطريق، لا بما يكفي لنستمر في الغفلة. أن نحب ماضينا دون أن ندّعي أنه كان معصومًا. وأن نقول: "كنتُ مخطئًا"، لا لأننا نكره أنفسنا، بل لأننا نحب الحقيقة أكثر من راحتنا المؤقتة.

ومن الضروري أن نفرّق بين الاعتراف والانهيار؛ الاعتراف يعلن: "أخطأتُ وسأُصلح"، بينما الانهيار يستسلم: "أخطأتُ ولا أستحق". الأول جسرٌ للمستقبل، والثاني حفرةٌ في الماضي.

وما زلنا نتعلم. هذا هو سر الشباب الحقيقي للروح: ألا تظن أنك اكتملت أو انتهيت. أن تملك الجرأة لتقول: "كنتُ مخطئًا"، ثم تفتح صفحة جديدة. أن ترى العمر ليس بما مضى منه، بل بما بقي فيه. أن تتذكر أن من يخلو قلبه من طفولةٍ ما، لا يمكنه أن يتعلم؛ فالطفل هو من يسأل، وهو من يجرب، وهو من يسقط ثم ينهض مبتسمًا ليواصل اللعب.

فالذي تجاوز السبعين، وما زال يخطئ ويعتذر، ليس خائبًا، بل هو إنسانٌ حيٌّ بكل ما تحمل الكلمة من معنى. أما الذي لا يرى نفسه يخطئ ولا يعتذر، فقد أغلق على نفسه باب التعلم، ويظن أنه حيّ وهو في ركودٍ تام. العمر مجرد رقم، أما الروح فإذا شابت، فقد شابت قبل أن يشيب الجسد.

وهذه هي الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة، لكنها ليست آخر ما يُقال. إذ تبقى في القلب أسئلة كثيرة، تتنفس ما دام فينا نبض: كيف نُصغي إلى الناس دون أن نفقد استقلال أنفسنا؟ وكيف نُحبّ من حولنا وهم يكبرون ويتغيّرون؟ وكيف نبقى أوفياء لأفضل نسخة نستطيع أن نكونها، لا لأصغر نسخة كنّا عليها؟

وما زلنا، وسنبقى، نراجع ذواتنا، ونغيّر آراءنا، ونعتذر، ونبدأ من جديد. فهذه السلسلة لم تكن كتابًا أُغلق غلافه، بل هي صفحةٌ في كتابٍ كبير لم يُفتح بعد.

وما دام في الإنسان نفسٌ يتردد، فهناك دائمًا متسعٌ لفكرٍ جديد، ولقلبٍ يجرؤ على تغيير رأيه، ولروحٍ تأبى أن تشيخ.

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page