اليمن والمضائق والمواجهة الكبرى: قراءة استراتيجية في مشهد معقّد
د. علاء التميمي
تشرين الاول ٢٠٢٦
مقدمة: لماذا يجب أن نفهم ما يجري؟
في زمن تتسارع فيه الأحداث في الشرق الأوسط، يصبح الفهم الصحيح ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة. فما يجري في اليمن، وفي باب المندب، وفي هرمز، وفي لبنان وسوريا، ليس أحداثاً منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة. ومن لا يقرأ المشهد كوحدة مترابطة، سيضل طريقه في تفاصيله.
هذا المقال لا يقدّم تنبؤات قاطعة، ولا يوزّع أحكاماً جاهزة، بل يحاول رسم خريطة فهم تساعد القارئ على متابعة ما يجري بعين ناقدة لا بعين متلقّية.
أولاً: اليمن… المستنقع الذي لا يُحسم عسكرياً
الحقيقة الأولى التي يجب أن نبدأ منها واضحة: اليمن لا يمكن أن يُهزم بهكذا عمليات عسكرية. هذه ليست شعاراً، بل خلاصة تجربة تاريخية طويلة. رأينا عاصفة الحزم، ورأينا التحالف الدولي، ورأينا حروباً قديمة وأهلية، والنتيجة واحدة: اليمن يبتلع الجيوش ويستهلكها.
من هنا، فإن دخول أي دولة في مواجهة طويلة في اليمن هو خطأ استراتيجي بمعنى الكلمة، لأنه يقود إلى استنزاف مفتوح لا نهاية له. والسؤال ليس "من سينتصر؟" بل "من سيتضرر أكثر؟"
ثانياً: من يستفيد حقاً؟
هنا يجب أن نكون صريحين بلا مجاملة: المستفيد الأكبر من هذه المواجهات هي أمريكا، لثلاثة أسباب واضحة:
1. بيع السلاح: الحروب تستهلك المخزون، والمخزون يُستنفد، فتُرفع الأسعار وتُفتح أسواق جديدة.
2. الضغط نحو التطبيع: كل أزمة تدفع الدول للبحث عن حماية، والحماية لها ثمن.
3. استنزاف الخصوم: إشغال إيران وتركيا والسعودية ببعضها البعض يُبقي الجميع ضعيفاً.
أما الدول العربية والإسلامية، فمهما اختلفت مواقفها، فإن استنزافها جميعاً يصبّ في مصلحة واحدة: من يريد إعادة رسم الشرق الأوسط على حساب منظومة الأمن القومي العربي والإسلامي.
ثالثاً: لماذا لم تتدخل الدول العربية؟
الجواب بسيط ومقلق: لأن الجميع يعيد حساباته.
بعد السابع من أكتوبر، وبعد الحرب على إيران، لم يبقَ أحد يقرأ المشهد بالطريقة القديمة. هناك دول اختارت مساراً واضحاً مع إسرائيل وأمريكا، وهناك دول اكتشفت أن الحياد أو الصمود قد يكون أقل تكلفة. والسؤال الذي يطرح نفسه على كل عاصمة عربية الآن: هل أنا في الفخ أم خارجه؟
رابعاً: إيران وتركيا… لماذا لا يمكن الفصل بينهما؟
هنا نقطة جوهرية يجب أن تُفهم جيداً: قوة إيران من قوة تركيا، وقوة تركيا من قوة إيران. لا أحد منهما يستفيد من انهيار الآخر، لأنهما معاً يشكّلان مانعاً أساسياً أمام مشروع التوسع الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة.
إذا انهارت إيران، فسيكون الطريق ممهداً لانهيار تركيا، ثم لن يبقى لمصر أو السعودية أي وزن استراتيجي حقيقي. وإذا قُسّمت إيران، فسيأتي الدور على تقسيم السعودية وتركيا وسوريا وغيرها.
لذلك، فإن الاستقرار في صالح الطرفين، والتصعيد ليس خياراً محسوباً لأي منهما.
خامساً: العامل الاقتصادي… القنبلة الموقوتة
كثيرون يتحدثون عن العسكرة والمواجهات، لكن العامل الاقتصادي هو الأخطر. المرحلة الاقتصادية الصعبة على الدول العربية لم تأتِ بعد. ما نراه اليوم مجرد مقدمة.
رأينا كيف غادرت الشركات الكبرى المدن الخليجية حين ضُربت القواعد الأمريكية، وكيف تحوّلت مدن كانت تُعتبر الأرقى في العالم إلى أشباح. السبب بسيط: الاستثمار يحتاج هدوءاً واستقراراً وطويل نفس. وكل هذه العناصر مهددة اليوم.
أضف إلى ذلك أن عائدات الطاقة ليست مضمونة في ظل أي مواجهة شاملة. النتيجة: المواطن العربي العادي هو من سيدفع الثمن أولاً وآخراً.
سادساً: المضائق… حيث تُقاس القوة
هرمز: المفتاح الأكبر
كل ما تريده أمريكا هو السيطرة على مضيق هرمز. وإذا حدث ذلك، فلا يبقى هناك طهران. إيران تدرك هذه المعادلة جيداً، ولذلك تتعامل مع هرمز كعنوان قوتها الأخير، لا كملف تفاوضي.
باب المندب: ضمن معادلة أكبر
باب المندب ليس تابعاً لإيران، ولا هو ورقة منفصلة. من يعتقد أن إغلاقه قرار يُتخذ بسهولة مخطئ. باب المندب مرتبط بحرب شاملة، وحينها فقط يمكن أن نرى أدواراً متعددة: من اليمن إلى العراق إلى لبنان.
سابعاً: لبنان… درس في الفهم الخاطئ
حزب الله ليس تنظيماً عابراً كالقاعدة أو داعش. هو مجتمع وثقافة وبيئة موجودة قبل أن يتشكّل الحزب. التعامل معه كتنظيم يمكن تفكيكه بالقوة خطأ استراتيجي كبير، لأنه سيقود إلى حرب أهلية تخدم إسرائيل وأمريكا، لا لبنان.
حزب الله يعتمد مسارين:
· مسار سياسي شعبي: للحفاظ على النسيج الداخلي
· مسار عسكري إقليمي: مرتبط بمعادلات أكبر من لبنان
الخمود الحالي ليس ضعفاً، بل تكتيك مدروس ينتظر اللحظة المناسبة.
ثامناً: ماذا بعد؟
لا أحد يملك كرة بلورية، لكن ما يمكن قوله بثقة:
· لا أفق للسلام في المدى المنظور
· التصعيد وارد في أكتوبر أو ما بعده
· لا إيران انتصرت ولا أمريكا انتصرت، والحكم على مواجهة في منتصفها ظلم
· الاقتصاد هو ساحة المعركة الحقيقية في المرحلة القادمة
· الاستقرار في صالح الجميع، لكنه مرهون بقرارات عواصم عدة
خلاصة: ما الذي وددت قوله إلى من يقرأ هذا التحليل
1. لا تقرأ الأحداث منفصلة، بل كمنظومة واحدة مترابطة
2. لا تنجرف خلف الشعارات، بل ابحث عن المصالح
3. لا تبحث عن منتصر ومهزوم، بل عن من يدفع الثمن
4. لا تنسَ الاقتصاد، فهو المحرك الخفي لكل شيء
5. لا تتوقع يقينيات، فالمشهد شديد التعقيد
المشهد في الشرق الأوسط ليس لعبة شطرنج بين لاعبين، بل طاولة معقدة يجلس عليها لاعبون كثر، بعضهم يلعب بأوراق ظاهرة، وبعضهم يخفي أكثر مما يُظهر. ومن يريد أن يفهم، عليه أن يصبر، وأن يقرأ، وأن يفكّر… لا أن ينجرف.
الوعي هو السلاح الأول، والبوصلة هي المصلحة، والدرس هو التاريخ.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

تعليقات