العقل العراقي تحت الاختبار: الإنتلجنسيا في ربع قرن من التحوّلات
- Alaa Tamimi

- 24 ديسمبر 2025
- 5 دقيقة قراءة
حفزني كتاب الصديق الدكتور سيار الجميل بكتابه الموسوم (انتلجينسيا العراق النخب الثقافية في القرن العشرين) للغوص بالموضوع و مراجعة واقعنا العراقي ودور الانتلجنسيا العراقية في الربع الاول من القرن الواحد والعشرين .
أولًا: من هي “الإنتلجنسيا” في السياق العراقي؟
حين نتحدث عن الإنتلجنسيا العراقية لا نقصد فقط الأكاديميين أو الكتّاب، بل طبقة أوسع من المثقفين والمهنيين وأصحاب الرأي: أساتذة الجامعات، الصحفيون، الأطباء والمهندسون، الفنانون، نشطاء المجتمع المدني، والخبراء الذين يشاركون في صناعة النقاش العام وتوجيهه، سواء داخل العراق أو في المهجر.
هذه الفئة عادةً تحمل ثلاث صفات:
1. معرفة متخصصة في مجال معين.
2. وعي عام بالشأن السياسي والاجتماعي.
3. رغبة في التأثير على اتجاه المجتمع والدولة، بالكتابة أو الفعل أو كليهما.
ثانيًا: إرث ثقيل يدخل القرن الجديد
دخلت الإنتلجنسيا العراقية القرن الواحد والعشرين مثقلة بثلاثة إرثات كبرى:
1. إرث الاستبداد والحرب والحصار في التسعينيات
• تهميش منظم لدور المثقف الحر.
• تسييس قسري للجامعة والثقافة.
• هجرة متواصلة للكفاءات بحثًا عن فضاء آمن للعمل والعيش.
2. إرث الدولة المركزية الريعية
• ارتباط الوظيفة والمعيشة بميزانية الدولة.
• هشاشة استقلالية المثقف الاقتصادي.
• تعوّد المجتمع على “الموظف – المثقف”، لا “المثقف – الحر”.
3. إرث الانقطاع المعرفي
• عزلة نسبية عن العالم خلال سنوات الحصار.
• تأخر في مواكبة التحولات الفكرية والرقمية العالمية مقارنة بدول أخرى.
بهذا الإرث دخلت النخبة العراقية سنة 2000 وهي تحمل ذاكرة مثقلة، لكن في الوقت نفسه شغفًا مكبوتًا للتغيير والانفتاح.
ثالثًا: بعد 2003 – انفجار المساحة واختلاط الأدوار
مع سقوط النظام السابق وبداية المرحلة الجديدة بعد 2003، حدثت ثلاثة تحولات كبرى أثرت مباشرة في الإنتلجنسيا:
1. اتساع هامش الحرية
• الصحافة تعددت، الفضائيات والجرائد والمواقع ظهرت فجأة.
• صار بإمكان الكاتب والأستاذ الجامعي أن ينتقد، أن يعارض، أن يقترح… لكن وسط فوضى عامة.
2. تسييس جديد للنخبة
• انتقل جزء من المثقفين إلى صفوف الأحزاب، أو عملوا مستشارين لها، أو ناطقين باسمها.
• تحول بعضهم من “ضمير نقدي” إلى “نافذة تبرير” لهذا الطرف أو ذاك، ففقد جزء من النخبة استقلاليتها المعنوية.
3. الهجرة المعاكسة والشتات
• عاد بعض الكفاءات إلى العراق فترة قصيرة، ثم خرجوا مرة أخرى مع تفاقم العنف والفوضى.
• تشكلت “إنتلجنسيا عراقية في المنفى”: في أوروبا، أمريكا الشمالية، أستراليا، ودول عربية، تكتب عن العراق من الخارج وتشارك عن بعد.
رابعًا: تحديات الإنتلجنسيا في الربع الأول من القرن
يمكن تلخيص التحديات التي واجهتها – وما تزال – النخب العراقية في نقاط رئيسية:
1. سؤال الاستقلالية
• كيف يكون المثقف قريبًا من هموم الناس، لا تابعًا لسلطة سياسية أو طائفية أو مالية؟
• كثيرون وجدوا أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: إمّا العزلة، وإمّا الارتهان لمموّل أو حزب أو منبر إعلامي يفرض شروطه.
2. سؤال الهوية الوطنية
• تصدّع الهوية العراقية تحت ضغط الهويات الفرعية: طائفية، قومية، مناطقية.
• الإنتلجنسيا العراقية انقسمت هي الأخرى: هذا مثقف “شيعي”، وذاك “سنّي”، وآخر “كردي”، وهكذا… بدل أن يكون الجامع هو هوية المواطنة العراقية الجامعة.
3. سؤال المهنية مقابل الشعبوية
• صعود وسائل التواصل الاجتماعي جعل الصوت الأعلى هو الأكثر ضجيجًا، لا الأكثر عمقًا.
• تراجع تأثير المقال الرصين والدراسة العلمية أمام المنشور السريع، والشائعة، ونجم الشاشة.
• كثير من الأصوات العاقلة صارت تتحرك في مساحة أضيق من ضجيج الشعبوية.
4. سؤال الأمان الشخصي
• التهديدات، والاغتيالات، وحملات التشويه، كلها جعلت الكلام الحر مكلفًا.
• هذا دفع عددًا من المثقفين إلى الصمت أو الهجرة، حفاظًا على حياتهم أو حياتهم المهنية.
خامسًا: أدوار جديدة في زمن الرقمنة
مع دخول العقدين الثاني والثالث من القرن، تغير شكل الإنتلجنسيا عالميًا، والعراق لم يكن استثناءً:
1. المثقف – المؤثِّر الرقمي
• بعض الأكاديميين والكتّاب تحوّلوا إلى صانعي محتوى على المنصات الرقمية.
• صارت المحاضرة تبث على يوتيوب، والمقال يتحول إلى بودكاست أو فيديو قصير.
• المعركة لم تعد فقط في الصحيفة والجامعة، بل في الفضاء الرقمي المفتوح.
2. المبادرات المدنية والمعرفية
• ظهور مراكز دراسات، مجموعات قراءة، أندية حوار، ومنظمات شبابية تسعى لتربية جيل جديد على التفكير النقدي.
• كثير من هذه المبادرات تقودها أو ترعاها عناصر من الإنتلجنسيا داخل العراق وخارجه.
3. إنتلجنسيا المهجر كجسر معرفي
• أساتذة وعلماء عراقيون في الجامعات العالمية يدرّسون، ينشرون أبحاثًا، ويحاولون نقل المعرفة إلى الداخل عبر محاضرات عن بُعد أو زيارات قصيرة أو مشاريع مشتركة.
• هذه النخبة تواجه بدورها سؤالاً صعبًا: كيف تؤثر في وطنها من بعيد من دون أن تُتّهم بالانفصال عن الواقع؟
سادسًا: نقاط القوة الكامنة
رغم الصعوبات، هناك عناصر قوة مهمة في الإنتلجنسيا العراقية في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين:
1. تجربة تاريخية فريدة
• قليل من النخب في العالم مرّت بكل ما مرّ به العراقيون: حروب، حصار، احتلال، تغيير نظام، عنف داخلي، ثم انفتاح على العالم.
• هذه التجربة القاسية تمنح المثقف العراقي حساسية عالية تجاه قضايا الحرب والسلام، والعدالة الاجتماعية، وبناء الدولة.
2. انتشار جغرافي واسع
• النخب العراقية اليوم موجودة في معظم قارات العالم، وهذا يجعلها أكثر قدرة على المقارنة، وعلى نقل التجارب الناجحة إلى الداخل.
3. تعدد لغوي وثقافي
• جيل واسع من الإنتلجنسيا يتقن أكثر من لغة (العربية، الإنجليزية، الفرنسية، إلخ)، ويقرأ من مصادر متنوعة، ما يمنحه أفقًا أوسع من الأجيال السابقة.
سابعًا: الفرصة الضائعة… والفرصة الممكنة
يمكن القول إن الربع الأول من القرن الحادي والعشرين كان بالنسبة للإنتلجنسيا العراقية مرحلة فرصة ضائعة جزئيًا:
• كان يمكن للنخبة أن تكون حَكَمًا بين القوى السياسية، فإذا بها في أحيان كثيرة تتحول إلى جزء من الصراع.
• كان يمكن للجامعة أن تكون عقل الدولة، فإذا بها تُهمّش أو تُجزّأ بحسب الولاءات.
• كان يمكن للمثقف أن يكون جسرًا بين الشارع ومؤسسات الحكم، فإذا به أحيانًا ينزوي في الهامش أو يغترب في الخارج.
لكن في المقابل، الفرصة لم تنتهِ:
• جيل جديد من الشباب العراقي بدأ يطرح أسئلة مختلفة: عن المواطنة، والبيئة، والمدينة، والعدالة، والهوية.
• هذا الجيل يحتاج إلى إنتلجنسيا جديدة: أقل خطابة، أكثر علمية؛ أقل ارتهانًا، أكثر استقلالية؛ أقل انشغالًا بالسلطة، وأكثر انشغالًا ببناء المجتمع والدولة.
ثامنًا: نحو تعريف جديد لدور الإنتلجنسيا
في ضوء ما سبق، يمكن تخيل دورٍ مختلف للإنتلجنسيا العراقية في العقود القادمة، امتدادًا لما عُرف في الربع الأول من القرن:
1. من “المعارض” إلى “صانع البدائل”
• لا يكفي النقد؛ المطلوب تقديم نماذج عملية في التعليم، التخطيط الحضري، الاقتصاد، الإدارة، الإعلام… إلخ.
• مشروع بحثي جاد أو مبادرة مدنية ناجحة قد يكون أثرها أعمق من عشرات المقالات الغاضبة.
2. من “النخبة المغلقة” إلى “المعرفة المتاحة”
• تبسيط العلوم، شرح السياسات العامة للناس بلغة واضحة، فتح أبواب الجامعة للمجتمع.
• تحويل المعرفة إلى محتوى مفهوم للشاب الذي يتابع من هاتفه قبل أن ينام.
3. من “المثقف الفرد” إلى “شبكات الإنتلجنسيا”
• بناء شبكات من الباحثين والمهندسين والأطباء والاقتصاديين، تعمل معًا على ملفات محددة (الماء، التعليم، المدينة، المناخ، الإصلاح الإداري… إلخ).
• العمل الجماعي يقلل من الهشاشة الشخصية ويزيد من قوة التأثير.
في الختام الإنتلجنسيا العراقية في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين ليست كتلة واحدة، ولا قصة نجاح كاملة ولا فشلًا كاملًا. هي مرآة لبلدٍ عاش سلسلة من التحوّلات العنيفة، وحاول – وما يزال يحاول – أن يجد طريقه نحو دولة مستقرة ومجتمع متوازن.
قد تكون الأجيال المقبلة أكثر قدرة على الحكم على هذه المرحلة:
هل كانت النخبة على قدر اللحظة التاريخية؟
أم أنها اكتفت بدور الشاهد والمراقب؟
ما يمكن قوله اليوم بثقة هو أن المستقبل العراقي، إن كُتب له أن يكون أفضل، يحتاج إلى إنتلجنسيا أكثر شجاعة واستقلالًا وواقعية؛ نخب تؤمن أن دورها ليس فقط وصف الخراب، بل المساهمة في هندسة الخروج منه.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي


تعليقات