الحرب التي لا مخرج منها
- قبل يومين
- 3 دقيقة قراءة
الحرب التي لا مخرج منها
د. علاء محمود التميمي
آذار ٢٠٢٦
ليست كل الحروب تُخاض من أجل النصر، ولا كل التصعيدات تُبنى على حسابات عقلانية متماسكة. فبعض الحروب تبدأ بوهم التفوق السريع، ثم لا تلبث أن تتحول إلى مأزق استراتيجي مفتوح، تتراكم فيه الأخطاء أكثر مما تتراكم المكاسب. وهذا، على ما يبدو، هو ما يحدث اليوم في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ومعها إسرائيل بوصفها طرفاً أساسياً في إشعال النار وتوسيع مداها.
القراءة المتأنية لمسار الحرب تشير إلى أن الرهان الأول قام على فرضية قديمة تتكرر كثيراً في التاريخ السياسي والعسكري: توجيه ضربة قاسية ومباغتة إلى رأس النظام، ثم انتظار انهياره من الداخل. غير أن هذه الفرضية، التي بدت مغرية لبعض دوائر القرار، اصطدمت بواقع مختلف تماماً. فالدولة الإيرانية، على الرغم من أزماتها وتعقيداتها، لم تنهَر، ولم تنفجر من الداخل، ولم يتحول الضغط العسكري الخارجي إلى انتفاضة شعبية حاسمة. وهكذا سقطت فرضية “الحسم السريع”، ووجدت واشنطن نفسها في مواجهة حرب أطول، أكثر كلفة، وأقل قابلية للسيطرة.
المشكلة الكبرى في هذا النوع من الحروب أن لحظة الفشل الأولى لا تبقى مجرد إخفاق تكتيكي، بل تتحول سريعاً إلى مأزق سياسي. فحين تفشل الضربة الأولى في إنتاج النتيجة الموعودة، يصبح السؤال الأصعب: ماذا بعد؟ هل يكون التصعيد هو الحل؟ أم التراجع؟ أم البحث عن مخرج تفاوضي؟ غير أن التصعيد قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها، والتراجع يكلّف هيبة سياسية كبيرة، أما التفاوض فيبدو مستحيلاً حين تكون شروط الطرفين متناقضة إلى هذا الحد. وهنا تحديداً تتجلى خطورة الموقف: حرب لا نصر سريع فيها، ولا سلام قريب لها، ولا انسحاب مريح منها.
إيران، من جانبها، لا تبدو في عجلة من أمرها لإنهاء الحرب. فكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت كلفتها على خصومها، واتسعت آثارها على الاقتصاد العالمي، وازدادت الضغوط السياسية داخل الغرب نفسه. ومن منظور استراتيجي بحت، فإن الزمن هنا لا يعمل بالضرورة ضد طهران، بل قد يكون أحد أسلحتها الأساسية. فالحرب الطويلة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، بل أيضاً بما تفعله بأسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، وبمزاج المجتمعات التي تبدأ بالتململ كلما ارتفعت الكلفة المعيشية.
ومن هنا نفهم لماذا لا تكمن خطورة هذه الحرب في بعدها العسكري وحده، بل في قدرتها على الانتقال من ساحة القتال إلى بنية الاقتصاد الدولي. فإذا توسعت الضربات لتطال منشآت الطاقة أو الممرات الحيوية أو محطات التحلية والبنية التحتية الحساسة في الخليج، فإن المنطقة لن تكون وحدها من يدفع الثمن، بل العالم بأسره. ذلك أن الخليج ليس مجرد جغرافيا نفطية، بل عقدة مركزية في معادلة الطاقة والتجارة والاستقرار العالمي. وأي عبث واسع بهذه المعادلة قد يدفع الاقتصاد الدولي إلى حافة اضطراب خطير، لا سيما في الدول الأشد هشاشة وفقراً.
أما إسرائيل، التي دفعت بقوة في اتجاه التصعيد، فهي ليست بمنأى عن نتائج ما جرى. فالحروب التي تُشعلها الدول باعتبارها أداة ردع قد ترتد عليها عندما يتبين أن الخصم لا ينهار، وأن الجبهة الداخلية نفسها ليست محصّنة كما كان يُظن. وإذا وجدت تل أبيب نفسها في مواجهة استنزاف متواصل، مع دفاعات مثقلة وضربات متبادلة، فإنها قد تميل إلى توسيع بنك الأهداف باتجاه البنية الاقتصادية الإيرانية، في خطوة قد تكون أخطر حلقات التصعيد وأكثرها اقتراباً من الانفجار الإقليمي الشامل.
ما يزيد المشهد قتامة أن المخرج الدبلوماسي لا يبدو ناضجاً. فإيران تريد رفع العقوبات، وضمانات، وتغييراً جوهرياً في قواعد الاشتباك، فيما تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على تقليص قدرات إيران الصاروخية والنووية والإقليمية. وبين هذين السقفَين، لا توجد حتى الآن أرضية حقيقية للتسوية. لذلك لا يبدو الحديث عن مفاوضات جادة أكثر من محاولة لشراء الوقت، أو تهدئة الأسواق، أو إدارة الانطباع العام، لا أكثر.
والأخطر من كل ذلك أن الحروب حين تدخل منطقة اليأس السياسي تصبح أكثر قابلية للمقامرة. فالقائد الذي يشعر بأنه عالق، وأن الزمن لا يعمل لصالحه، قد يلجأ إلى خطوات غير محسوبة، ليس لأنها تضمن النجاح، بل لأنه لم يعد يرى بديلاً مقبولاً عنها. والتاريخ مليء بأمثلة قادة دفعهم الإحباط إلى توسيع الحروب بدل احتوائها. وفي هذه اللحظة بالذات، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط في قوة السلاح، بل في هشاشة القرار.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد جولة أخرى في صراع شرق أوسطي تقليدي، بل اختبار قاسٍ لفكرة القوة نفسها: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تفرض ترتيباً سياسياً جديداً؟ أم أنها، حين تُستخدم من دون فهم عميق للمجتمع والتاريخ والجغرافيا، تتحول إلى أداة لإنتاج الفوضى لا الحسم؟ ما يجري حتى الآن يوحي بأن من أشعل الحرب لم يحسن تقدير حدودها، ولا طبيعة خصمه، ولا حجم التداعيات التي قد تخرج من رحمها.
الخلاصة أن الحرب دخلت منطقة الخطر الحقيقي: لا نصر حاسماً في الأفق، ولا تسوية ناضجة، ولا تراجع بلا كلفة. وكل يوم يمرّ يجعل كلفة الاستمرار أكبر، لكنه لا يجعل قرار التوقف أسهل. ولهذا فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما وقع حتى الآن، بل ما قد يقع عندما يقتنع أحد الأطراف أن الهروب إلى الأمام هو خياره الوحيد.
في مثل هذه اللحظات، لا تعود القضية مجرد صراع بين دولتين أو مشروعين، بل تصبح سؤالاً عن قدرة العالم على منع الانزلاق إلى كارثة أكبر. أما إذا استمر الرهان على كسر الإرادات بالقوة وحدها، فإن الشرق الأوسط قد لا يكون أمام حرب قصيرة، بل أمام مرحلة جديدة من الفوضى الطويلة، يدفع ثمنها الجميع، وفي المقدمة الشعوب التي لم تُستشر أصلاً في إشعالها.


تعليقات