مهلة ترامب…وبداية الفصل الأخطر
- قبل 4 أيام
- 3 دقيقة قراءة
د. علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
ليست المشكلة في مهلة يطلقها رئيس أمريكي، ثم تنتهي عند ساعة محددة. المشكلة الحقيقية هي ما الذي يحدث حين تتحول المهلة السياسية إلى عتبة عسكرية، وحين يصبح التهديد العلني بتدمير البنية التحتية لدولة كبيرة جزءًا من إدارة الحرب نفسها. حتى صباح الثلاثاء 7 نيسان 2026، المعطيات المعلنة تقول إن ترامب عدّ مهلة مساء الثلاثاء نهائية، وربط عدم فتح مضيق هرمز بهجمات واسعة على منشآت إيرانية، بينما رفضت طهران وقفًا مؤقتًا للنار وأصرت على تسوية دائمة بشروطها.
من منظور عسكري بحت، لا تعني نهاية المهلة أن الحرب ستُحسم، بل تعني على الأرجح أنها ستنتقل من طور الضغط والردع إلى طور آخر أكثر قسوة: طور كسر الإرادة الوطنية والبنية التشغيلية للدولة. فحين يجري التلويح بضرب الجسور ومحطات الكهرباء وسائر العقد الحيوية، فإن الهدف لا يكون احتلال الأرض، بل إنهاك الدولة، وشل الحياة اليومية، ودفع القيادة السياسية إلى التراجع تحت ضغط الألم العام. لكن هذا النوع من القوة، مهما كان تدميريًا، لا يساوي تلقائيًا نصرًا سياسيًا. بالعكس، قد يدفع الطرف المقابل إلى مزيد من الصلابة، خصوصًا إذا شعر أن المطلوب ليس تعديل السلوك بل الإذلال أو الإخضاع. وقد ربطت تقارير صحفية التهديدات الأمريكية مباشرة بإمكانية ضرب منشآت مدنية واسعة، مع تحذيرات أممية وقانونية من تداعيات ذلك.
الخطأ الذي تقع فيه القوى الكبرى غالبًا هو الاعتقاد بأن التفوق في التدمير يساوي القدرة على الحسم. هذا ليس صحيحًا دائمًا. يمكن للولايات المتحدة أن تُلحق بإيران أضرارًا هائلة، لكن فتح مضيق هرمز بالقوة شيء آخر تمامًا. فالمضيق ليس مجرد شريط مائي يُؤمَّن بقرار سياسي أو بغارة جوية؛ إنه بيئة عمليات بحرية معقدة، تتداخل فيها الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والتهديد المستمر للملاحة التجارية والعسكرية. ولهذا تحديدًا، كانت تقارير رويترز تشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لا ترى أن إيران ستتخلى قريبًا عن ورقة هرمز، لأنها تعدّها إحدى أثمن أوراقها الاستراتيجية.
إذا نُفذ التهديد الأمريكي فعلًا، فأرجح ما سنراه ليس ضربة وحيدة تنهي كل شيء، بل سلسلة ضربات واسعة لكن مضبوطة الإيقاع: ما يكفي لإظهار الجدية، وما لا يكفي بعدُ للانزلاق الفوري إلى حرب برية شاملة أو مشروع إسقاط نظام. هذا هو السيناريو الأقرب معاقبة قاسية، ورسالة ردع، مع إبقاء باب المساومة مفتوحًا. لكن هذا السيناريو، حتى لو تحقق، لن يفتح المضيق فورًا، ولن يعيد الأسواق إلى الهدوء، ولن يمنع إيران من نقل المعركة إلى ساحات أخرى أقل كلفة عليها وأكثر إيلامًا لخصومها.
ومن هنا تبدأ العقدة الحقيقية. فإيران، حتى لو عجزت عن تغيير ميزان القوة العام، قادرة على تغيير كلفة الحرب ومعناها. لا تحتاج إلى تدمير أمريكا كي تُربك حساباتها؛ يكفيها أن تجعل النصر باهظًا، وأن تُبقي الملاحة مهددة، وأن توسع دائرة القلق في الخليج، وأن تضرب حيث تكون البنية التحتية أكثر حساسية وأقل قدرة على الاحتمال. تقارير وكالات رويترز وAP أشارت إلى أن طهران رفضت المقترحات المؤقتة، ولوّحت عمليًا بربط أي تهدئة بشروط أوسع، فيما ظل المضيق شبه مغلق والأسواق النفطية متوترة عند مستويات مرتفعة تجاوز فيها الخام الأمريكي 112 دولارًا للبرميل واقترب برنت من 110–111 دولارات.
وهنا يجب قول ما يتهرب كثيرون من قوله: الخليج هو الحلقة الأكثر هشاشة في أي تصعيد لاحق. فالدول الغنية ليست بالضرورة دولًا منيعة. الثراء لا يمنع الهشاشة إذا كانت البنية الحيوية شديدة التركّز: محطات تحلية، مرافئ، منشآت طاقة، شبكات لوجستية قليلة العدد وعالية القيمة. وعندما يصبح الرد الإيراني منصبًا على رفع الكلفة الإقليمية، فإن ساحة الحرب لا تبقى محصورة في إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة، بل تتمدد إلى المجال الخليجي كله، ولو على شكل تهديد دائم أكثر منه احتلالًا أو مواجهة تقليدية. وهذا هو أخطر ما في اللحظة الراهنة: أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش، بل تهديدًا مباشرًا للهياكل التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية اليومية في المنطقة.
من الناحية السياسية العسكرية، لا تبدو واشنطن وتل أبيب حتى الآن وكأنهما حققتا ما يمكن تسميته نقطة التحول الحاسمة. نعم، لديهما تفوق جوي وقدرة نارية هائلة، لكن الحرب لا تُقاس فقط بحجم النار، بل بما إذا كانت هذه النار تُنتج واقعًا سياسيًا أكثر استقرارًا أو أكثر قابلية للإدارة. وإذا كانت المهلة تنتهي اليوم، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستقصف أمريكا؟ بل: هل تملك، بعد القصف، تصورًا واقعيًا لما بعد القصف؟ لأن التاريخ يعلمنا أن تدمير المنشآت أسهل بكثير من إعادة تشكيل السلوك السياسي لدولة كبيرة ذات عمق جغرافي ومجتمع تعبوي ونظام مستعد لتحمل الخسائر.
لهذا، فإن التقدير الأكثر واقعية هو الآتي: إذا انتهت المهلة بلا اتفاق، فالأرجح أن تبدأ المرحلة الأخطر من الحرب لا المرحلة الأخيرة منها. قد نرى ضربة أمريكية كبيرة، يتبعها رد إيراني موزع ومدروس، ثم جولة جديدة من الاستنزاف، لا نصرًا خاطفًا ولا انهيارًا فوريًا. وفي هذا النوع من الحروب، لا ينتصر من يضرب أولًا أو أكثر فقط، بل من ينجح في منع القوة من الانقلاب إلى عبء استراتيجي عليه.
بكلمة واحدة:
بعد انتهاء المهلة، قد تبدأ الحرب الحقيقية الآن.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي


تعليقات