بين درس العراق 2003 وحرب إيران الجارية: هل يعيد الشرق الأوسط إنتاج الكارثة نفسها؟
- قبل 4 ساعات
- 4 دقيقة قراءة
دخلت الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة واسرائيل أسبوعها الخامس وبدأت آثاره تتجاوز الميدان العسكري إلى الاقتصاد والطاقة والملاحة الدولية وتوازنات الإقليم بأسره. ومن هنا، فإن استدعاء تجربة العراق بعد احتلال عام 2003 لم يعد ترفًا تحليليًا، بل ضرورة لفهم ما الذي يحدث للمنطقة حين تُستهدف دولة مركزية كبرى، وكيف تتحول أوهام “الحسم السريع” إلى فوضى ممتدة يدفع ثمنها الجميع.
لقد تعلّم العرب من كارثة العراق أن إسقاط التوازن لا يعني إنتاج الاستقرار، وأن تدمير الدولة أو إنهاكها لا يفتح الباب تلقائيًا أمام نظام إقليمي أكثر أمنًا، بل قد يطلق سلسلة من الاختلالات المتراكمة: فراغات أمنية، تصاعد نفوذ الفاعلين المسلحين، تمدد الاستقطاب المذهبي، وتدويل أعمق لمصير المنطقة.
ما جرى بعد 2003 لم يبقَ داخل العراق، بل أعاد رسم خرائط النفوذ والتوتر في المشرق والخليج، وحوّل دولةً مركزيةً إلى ساحة صراع مفتوح. ولهذا فإن النظر إلى الحرب الجارية على إيران بعين الرغبة أو الشماتة أو الحسابات الضيقة يعيد إنتاج الخطأ ذاته، لأن السؤال الاستراتيجي الصحيح ليس من نؤيد ومن نعارض، بل: ماذا يفعل تحطيم دولة كبيرة ببنية الإقليم كله؟
اليوم، وبعد خمسة أسابيع من الحرب، تظهر الصورة أكثر تعقيدًا من الخطابات الانفعالية التي روّجت لفكرة الحسم الخاطف. فالتصريحات الأمريكية نفسها تشير إلى أن الحرب لم تنتهِ بعد، رغم حديث وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن إمكان رؤية “خط النهاية”، ورغم قول الرئيس دونالد ترامب إن العمليات قد تنتهي خلال “أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع”. هذه اللغة السياسية بذاتها تكشف أن الحسم لم يتحقق، وأن الحرب انتقلت من مرحلة الضربة إلى مرحلة الاستنزاف ومحاولة فرض شروط النهاية وليس بعيد ان يعلن ترامب اليوم ٤/١ في خطابه إلى الأمة الذي اعلن عنه عن ايقافه الحرب لأنه حقق أهدافه .
وهنا تظهر المقارنة مع العراق بوضوح أشد. ففي 2003 قُدّم الاحتلال على أنه مدخل لإعادة ترتيب المنطقة وإنهاء مصادر التهديد، لكن ما حدث فعليًا كان انهيارًا لبنية الدولة العراقية، وصعودًا لقوى ما دون الدولة، واتساعًا للتدخلات الخارجية، ثم موجات عنف لم تتوقف آثارها عند الحدود العراقية. أما في الحرب الجارية اليوم، فإن الخطر لا يقتصر على إيران وحدها، بل يتسع ليطال بنية الأمن الإقليمي نفسها، لأن المواجهة لم تعد ملفًا عسكريًا صرفًا، بل صارت أزمة طاقة وممرات بحرية وأسواق عالمية وحسابات تحالفات دولية.
ومن يظن أن خسارة إيران في هذه الحرب ستعني تلقائيًا راحةً استراتيجيةً للخليج العربي، يكرر وهمًا شبيهًا بما قيل عن العراق قبل احتلاله: إزالة الخصم الكبير ستفتح الطريق إلى الاستقرار. لكن الوقائع الجارية حتى الآن توحي بالعكس. فإغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من اضطراب في شحنات النفط والغاز، وتحذيرات وكالة الطاقة الدولية من أن خسائر الإمدادات تتفاقم في نيسان ، يؤكدان أن أي تصعيد واسع ضد دولة بحجم إيران لا يبقى داخل حدودها، بل يضرب القلب الاقتصادي للمنطقة والعالم.
لقد بدأت آثار ذلك بالفعل في الأسواق العالمية والإقليمية. وكالة رويترز تحدثت عن صعود أسواق الخليج على خلفية آمال التهدئة، لا بسبب زوال الخطر، فيما أظهرت تقارير أخرى أن الحرب رفعت كلفة التصنيع عالميًا وعطلت سلاسل الإمداد، وأن الاقتصاد الإقليمي يواجه خسائر قد تصل إلى 194 مليار دولار، مع احتمال فقدان 3.64 مليون وظيفة وارتفاع الفقر بما يصل إلى أربعة ملايين شخص بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي نقلتها وول ستريت جورنال. هذا يعني أن الحرب لم تعد مواجهةً بين جيوش فقط، بل أزمةً تنمويةً شاملة تضرب البنية الاجتماعية والاقتصادية للشرق الأوسط.
أما الخليج العربي، فهو ليس متفرجًا على هذه الحرب، بل أحد أكثر الأقاليم انكشافًا عليها. فالممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وثقة المستثمرين، وكلفة التأمين، وسلامة المنشآت الحيوية، كلها دخلت دائرة التهديد المباشر. حتى حين ترتفع البورصات على وقع تصريحات التهدئة، فإن ذلك لا يعكس استقرارًا حقيقيًا، بل هشاشةً شديدة ترتبط بأي إشارة سياسية أو عسكرية جديدة. وبعبارة أوضح: إن أمن الخليج في هذه الحرب ليس مسألة موقف سياسي فقط، بل مسألة بنيوية تمس اقتصاده وسيادته واستقراره الداخلي.
وفي ما يخص المنطقة العربية الأوسع، فإن الخطر لا يكمن فقط في نتائج المعارك الجارية، بل في اليوم التالي لها. هذا هو جوهر الدرس العراقي. فالحرب قد تُضعف القدرات العسكرية لدولة ما، لكنها لا تقدّم تلقائيًا جوابًا عن سؤال: من يملأ الفراغ؟ ومن يمنع التشظي؟ ومن يضبط الارتدادات عبر الحدود؟ ومن يحول دون تحوّل الصراع إلى حروب وكالة أكثر شراسة؟ وإذا كان العراق بعد 2003 قد قدّم أوضح مثال على أن إسقاط المركز يطلق فوضى الأطراف، فإن الحرب الجارية اليوم تضع المشرق والخليج أمام احتمال مماثل، ولكن على نطاق أوسع وأشد تداخلًا.
ولهذا فإن التفكير الاستراتيجي الرصين لا ينبغي أن ينطلق من منطق الرغبة في “هزيمة إيران” بوصفها غاية مجردة، بل من تقدير كلفة الحرب على البيئة العربية المحيطة. فحتى الآن لا تظهر المعطيات المتاحة أن الحرب أنتجت نظامًا إقليميًا أكثر استقرارًا، بل العكس: اقتصاد عالمي مضطرب، ضغوط على الطاقة، توتر في الممرات البحرية، ومخاوف من اتساع النزاع، بينما تظل الأهداف السياسية للحرب نفسها موضع تباين وحديث عن اتصالات ومخارج تفاوضية لم تنضج بعد.
إن المقارنة بين ما جرى للعالم العربي بعد احتلال العراق عام 2003 وما يجري اليوم في الحرب على إيران تفضي إلى نتيجة مركزية واحدة: الحروب الكبرى في الشرق الأوسط لا تمنح المنطقة انتصارًا نظيفًا، بل تعيد توزيع الخسائر والفراغات والفوضى على الجميع. وقد يكون من السهل، في لحظة الخصومة السياسية، تمني إنهاك الخصم أو سقوطه، لكن التجربة التاريخية تقول إن انهيار الدول المركزية لا ينتج بالضرورة أمن الجوار، بل كثيرًا ما ينتج ذعر الجوار وانكشافه.
من هنا، فإن الحكمة العربية المطلوبة اليوم ليست في الاحتفال بالحرب، ولا في اختزالها إلى ثنائية مذهبية و رابح وخاسر، بل في قراءة عواقبها على المدى المتوسط والبعيد. فالمنطقة دفعت ثمنًا هائلًا بعد 2003 حين ظنّ بعضهم أن تدمير العراق سيعيد التوازن. واليوم، وهي تراقب حربًا دخلت أسبوعها الخامس ضد إيران، عليها أن تسأل نفسها بجدية: هل نريد تكرار الدرس نفسه بصورة أكبر، أم نبحث عن كيفية حماية أوطاننا من أن تتحول مرة أخرى إلى ساحات ارتداد لحرب لا يملك العرب قرارها الكامل، لكنهم غالبًا سيدفعون فاتورتها الأثقل؟
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

تحليل رائع وخاصة المقارنة بين ما يجري وما جرى عند احتلال العراق ونتائجه الكارثية. احسنت دكتور علاء .