top of page

سقوط إيران: نهاية نظام أم بداية فوضى؟

  • قبل يومين
  • 4 دقيقة قراءة

كما ذكرت في مقالي السابق سنبدأ بالسؤال التالي و احتمال سقوط النظام الإيراني، حيث يتبادر إلى الذهن سريعًا مشهدٌ بسيط في ظاهره: خصمٌ إقليمي كبير يتراجع، فتتنفس اسرائيل وبعض دول المنطقة الصعداء. لكن السياسة، مثل التاريخ، لا تُقرأ بهذه البساطة. فإيران ليست دولة هامشية يمكن أن تسقط من دون أن تهتزّ معها خرائط كثيرة. نحن نتحدث عن دولة يتجاوز عدد سكانها ٩٠ مليون نسمة، وتقع على واحد من أخطر مفاتيح الطاقة في العالم، وتملك امتدادات سياسية وأمنية في أكثر من ساحة إقليمية. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يسقط النظام؟ بل: إذا سقط، فهل تبقى الدولة أم تنهار معها؟


هذا التمييز أساسي. فسقوط النظام يعني تغيّر السلطة السياسية، أما سقوط الدولة فيعني شيئًا آخر تمامًا وهو ما عشناه في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام ٢٠٠٣ حيث بسقوط الدولة حدث : اهتزاز المؤسسات، تراجع السيطرة على السلاح والحدود، ضعف الإدارة، وفتح الباب أمام قوى محلية أو مسلحة أو خارجية لتملأ الفراغ. وفي الشرق الأوسط، كثيرًا ما كانت لحظة “الانتصار” على نظام ما هي بداية مرحلة أطول من الفوضى، لا بداية الاستقرار. وهذه ليست مبالغة نظرية؛ فالمؤشرات الإنسانية نفسها داخل إيران بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أدت إلى نزوح داخلي مؤقت يقدَّر بين ٦٠٠ ألف ومليون أسرة، أي ما يصل إلى ٣ مليون شخص. فإذا كانت هذه أرقام مرحلة التصعيد، فكيف يكون المشهد إذا انهار المركز السياسي والأمني للدولة نفسها؟


من هنا، يصبح من الخطأ النظر إلى سقوط النظام الإيراني بوصفه حدثًا إيرانيًا داخليًا فقط. فإيران ليست جزيرة معزولة، بل عقدة جغرافية وسياسية واقتصادية. وهي تطل على مضيق هرمز، الذي عبره في ٢٠٢٤ نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل النفطية، أي ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي، كما مرّ عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومعظمها من قطر والإمارات. لذلك فإن أي انهيار واسع داخل إيران لن يبقى أثره في طهران أو أصفهان أو تبريز، بل سينعكس فورًا على أمن الخليج، وعلى ثقة الأسواق، وعلى كلفة التأمين البحري، وعلى الاقتصاد العالمي كله.


في السيناريو الأفضل، قد يسقط النظام وتبقى الدولة. أي أن تنجح المؤسستان العسكرية والإدارية، أو جزء معتبر منهما، في منع التفكك الكامل، فتحدث عملية انتقال مضطربة لكنها قابلة للاحتواء. في مثل هذه الحالة، يمكن تصور أن إيران تتراجع عن مشروعها الاقليمي وتنشغل بإعادة البناء الداخلي، وتفتح الباب أمام توازنات إقليمية أقل توترًا. هذا هو السيناريو الذي قد يراه بعض الخليجيين أو الغربيين “الخيار المثالي”: إضعاف المشروع الإيراني من دون تحويل إيران نفسها إلى مساحة فوضى مفتوحة. لكن هذا السيناريو يتطلب شروطًا صعبة: تماسكًا مؤسسيًا، وبديلًا سياسيًا قابلًا للحياة، وحدًا أدنى من التفاهم الداخلي، وكلها أمور لا يمكن افتراضها تلقائيًا في لحظة انهيار عنيف. وهذه الجملة الأخيرة استنتاج تحليلي، لا معلومة مؤكدة.


أما السيناريو الأخطر، فهو أن يسقط النظام وتسقط معه الدولة المركزية. عندها لا تعود المنطقة أمام “إيران جديدة”، بل أمام إيران مفككة. وفي هذه الحالة، لا يختفي التهديد بل يتشظى. يظهر خطر الجماعات المنفلتة، والاقتصادات غير الرسمية، والتهريب، والاقتتال المحلي، والتنافس على الموانئ والحدود ومصادر الثروة. وهنا تظهر مفارقة قاسية لكنها واقعية: الدولة المعادية قد تكون أقل خطرًا من الدولة المنهارة. فالدولة، مهما اشتدت خصومتها، تبقى محكومة بحسابات الردع والكلفة والقرار المركزي. أما الانهيار، فلا مركز فيه، ولا سقف واضحًا لمخاطره. هذا استنتاج سياسي مبني على طبيعة الدول المنهارة، لا على تصريح من مصدر بعينه.


أول من سيدفع الثمن في هذا السيناريو هو الجوار المباشر. دول الخليج قد ترى في ضعف إيران فرصة استراتيجية، لكنها ستكتشف سريعًا أن الفراغ على الضفة المقابلة أخطر من الخصومة المنظمة. فالخليج لا يحتاج فقط إلى خصم أضعف، بل يحتاج أيضًا إلى بيئة بحرية مستقرة، وممرات آمنة، وضمان أن لا تتحول السواحل المقابلة إلى مصدر تهديد مبعثر. وهذا مهم خصوصًا لأن وكالة الطاقة الدولية أكدت في شباط ٢٠٢٦ أن نحو ٩٣٪؜ من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال و ٩٦٪؜ من صادرات الإمارات من الغاز الطبيعي المسال تعبر مضيق هرمز، وهو ما يربط الأمن الخليجي مباشرة بالأمن الاقتصادي العالمي.


ثم يأتي البعد الإنساني والديمغرافي. فإذا دخلت إيران في فوضى عميقة، فإن ملايين البشر لن ينتظروا طويلًا قبل أن يبحثوا عن النجاة، أولًا داخل البلاد، ثم في الدول المجاورة، ثم عبر مسارات أطول نحو أوروبا. والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين أشارت أصلًا، قبل اتساع النزاع الراهن، إلى أن إيران كانت تستضيف نحو ٨٠٠ ألف لاجئ مسجل، غالبيتهم من الأفغان، إلى جانب تقديرات بوجود نحو مليوني أفغاني غير موثقين داخلها. وهذا يعني أن أي انهيار واسع لن يضرب مجتمعًا وطنيًا فقط، بل سيصيب أيضًا بنية بشرية هشة ومركبة أصلًا، ما يزيد احتمالات النزوح المركّب والفوضى الإنسانية.


وفي أوروبا، لا يُنظر إلى هذا الاحتمال من زاوية أخلاقية فقط، بل من زاوية سياسية داخلية أيضًا. فالقارة التي واجهت خلال العقد الماضي أزمات لجوء أقل حجمًا من هذا السيناريو الافتراضي تعرف أن موجات نزوح كبرى لا تغيّر سياسات الحدود وحدها، بل تغيّر المزاج السياسي، وتغذي اليمين الشعبوي، وتعيد طرح أسئلة الهوية والاندماج والدولة الوطنية. ولذلك فإن أوروبا لا تخشى فقط “إيران كخصم”، بل تخشى أكثر “إيران كمساحة انهيار بشري مفتوح”. وهذه خلاصة تحليلية منطقية لما تعنيه أرقام النزوح المحتملة في دولة بهذا الحجم.


على مستوى الطاقة، تبدو الصورة أشد وضوحًا. فوكالة الطاقة الدولية قالت في تقريرها الشهري الصادر في اذار ٢٠٢٦ إن الحرب في الشرق الأوسط تسببت بالفعل في أكبر تعطّل للإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي، مع هبوط تدفقات الخام والمنتجات عبر هرمز من نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى مستويات شبه معدومة. هذا التطور وحده يكفي لشرح لماذا لا يمكن فصل مصير إيران عن الاقتصاد العالمي. فالمسألة هنا ليست سياسية فقط، بل تتعلق بسلاسل الإمداد، والتضخم، وأسعار النقل، وأمن الطاقة في آسيا وأوروبا معًا.


لهذا كله، فإن السؤال الذي نبدأ به هذه السلسلة ليس سؤالًا دعائيًا من نوع: هل نريد سقوط إيران أم لا؟ بل سؤال أكثر جدية: ما الذي سيسقط بالضبط؟ النظام وحده، أم الدولة معه؟

فإذا سقط النظام وبقيت الدولة، فقد نكون أمام أزمة كبيرة لكنها قابلة للاحتواء.

أما إذا سقطت الدولة أيضًا، فإن المنطقة لن تدخل عصرًا جديدًا من الاستقرار، بل مرحلة طويلة من الانكشاف: في الخليج، وفي العراق وبلاد الشام، وفي أوروبا، وفي أسواق الطاقة العالمية.


الخلاصة أن سقوط النظام الإيراني لا يمكن أن يُقرأ بمنطق التبسيط الأخلاقي أو الامنيات السياسية للبعض . ففي الجغرافيا السياسية، لا يكفي أن يضعف خصمك؛ الأهم ألا ينهار الإقليم معه. وحين نتحدث فنحن لا نتحدث عن عقدة محلية صغيرة، بل عن دولة كبيرة، وممر طاقة حاسم، ومركز ثقل يؤثر انهياره في ما هو أبعد من حدوده بكثير. ولهذا فإن السؤال عن ما بعد السقوط أهم من السقوط نفسه.


إذا انتصرت إسرائيل: ماذا يتغيّر في المنطقة والخليج والعالم والطاقة؟

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
قراءة هادئة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران

قراءة هادئة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران د. علاء محمود التميمي اذار ٢٠٢٦ ليس من الصعب، في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، أن تطغى لغة الأرقام: عدد الضربات، حجم الخسائر، وعدد ا

 
 
 
ما بعد حرب إيران: لماذا هذه السلسلة؟ ولماذا نبدأ من سؤال السقوط والانتصار؟

د. علاء محمود التميمي آذار ٢٠٢٦ في لحظات التحول الكبرى، لا تكفي الأخبار العاجلة، ولا التصريحات المتسرعة، ولا الانفعالات السياسية لفهم ما يجري. فالأحداث الكبرى، ولا سيما في الشرق الأوسط، لا تُقاس فقط ب

 
 
 
الحرب التي لا مخرج منها

الحرب التي لا مخرج منها د. علاء محمود التميمي آذار ٢٠٢٦ ليست كل الحروب تُخاض من أجل النصر، ولا كل التصعيدات تُبنى على حسابات عقلانية متماسكة. فبعض الحروب تبدأ بوهم التفوق السريع، ثم لا تلبث أن تتحول إ

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page