قراءة هادئة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران
- قبل يوم واحد
- 3 دقيقة قراءة
قراءة هادئة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران
د. علاء محمود التميمي
اذار ٢٠٢٦
ليس من الصعب، في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، أن تطغى لغة الأرقام: عدد الضربات، حجم الخسائر، وعدد الأهداف التي تم تدميرها. غير أن التاريخ العسكري يعلمنا أن الانتصار لا يُقاس بما يمكن عده، بل بما يمكن تحقيقه سياسيًا.
وهنا تبدأ المشكلة.
أولاً: سؤال الهدف… قبل سؤال القوة
أي استراتيجية عسكرية، لكي تكون قابلة للحكم، يجب أن تجيب عن سؤال بسيط:
ما الهدف النهائي؟ وهل هو قابل للتحقيق؟
في الحالة الراهنة، تبدو الأهداف المطروحة غير مستقرة بين:
• إضعاف إيران عسكريًا
• ردعها إقليميًا
• أو الذهاب أبعد من ذلك نحو تغيير النظام
لكن التجربة التاريخية، من العراق إلى أفغانستان، تشير بوضوح إلى أن تغيير الأنظمة بالقوة الخارجية ليس هدفًا عسكريًا بقدر ما هو مقامرة سياسية عالية الكلفة.
ثانياً: تغير طبيعة الحرب
ما يجري اليوم لا يشبه الحروب التقليدية التي بنت عليها الولايات المتحدة تفوقها منذ الحرب العالمية الثانية.
نحن أمام نمط مختلف يقوم على:
• الصواريخ الدقيقة
• الطائرات المسيّرة
• أنظمة المراقبة المستمرة
في هذا السياق، لم تعد السيطرة الجوية وحدها كافية، ولا الضربات المكثفة تضمن الحسم.
بل إن الطرف الأضعف تقليديًا يمكنه، عبر أدوات منخفضة الكلفة، أن يفرض تكلفة عالية ومستمرة على خصمه.
وهنا تكمن مفارقة الحرب الحديثة:
التفوق لا يعني الحسم، بل إدارة الكلفة.
ثالثاً: بين الأرقام والنتائج
الخطاب العسكري يميل بطبيعته إلى إبراز الأرقام:
• آلاف الضربات
• مئات الأهداف
• تدمير قدرات متعددة
لكن السؤال الأهم ليس: كم ضُرب؟
بل: ماذا تغيّر؟
التجارب السابقة، خاصة في فيتنام وكوسوفو، أظهرت أن:
• تضخيم الإنجازات الرقمية لا يعني تحقيق تحول استراتيجي
• وقد يؤدي إلى قراءة مضللة للواقع
رابعاً: الجغرافيا… العامل الصامت
يُعد مضيق هرمز مثالًا كلاسيكيًا على تعقيد العلاقة بين الجغرافيا والاستراتيجية.
فالسيطرة عليه لا تعني مجرد وجود عسكري، بل تتطلب:
• تحكمًا طويل الأمد
• قدرة على مقاومة ضربات صاروخية مستمرة
• وإدارة بيئة جغرافية صعبة (مرتفعات، سواحل ضيقة)
التاريخ يقدم لنا مثالًا واضحًا في حملة غاليبولي Gallipoli Campaign، السيطرة على مضيق الدردنيل خلال الحرب العالمية الأولى
حيث تحولت محاولة السيطرة على مضيق استراتيجي إلى استنزاف طويل دون حسم.
خامساً: البعد السياسي… ما بعد المعركة
حتى لو تحقق نجاح عسكري جزئي، يبقى السؤال الأهم:
من يدير ما بعد الحرب؟
إضعاف دولة بحجم إيران لا يعني بالضرورة:
• استقرارًا إقليميًا
• أو نظامًا بديلًا أكثر انسجامًا مع التوازنات الدولية
بل قد يؤدي إلى:
• فراغ سياسي
• تصاعد الفوضى
• أو إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدًا
وهذا ما يجعل من النجاح العسكري غير المكتمل خطرًا بحد ذاته.
سادساً: الاقتصاد… العامل الحاسم غير المعلن
الحروب الحديثة لا تُحسم فقط في الميدان، بل في الاقتصاد.
مضيق هرمز ليس مجرد موقع جغرافي، بل:
• شريان حيوي للطاقة العالمية
• نقطة ضغط على الاقتصاد الدولي
أي اضطراب فيه قد يؤدي إلى:
• ارتفاع أسعار النفط
• اضطراب سلاسل الإمداد
• ضغط على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية
وفي المقابل:
• إيران تعتمد على اقتصاد متأثر بالعقوبات
• لكنها تملك أدوات لرفع كلفة المواجهة على خصومها
وهكذا تتحول الحرب إلى معادلة كلفة متبادلة، لا انتصار حاسم.
سابعاً: حدود القوة في عالم متغير
ربما تكمن الإشكالية الأعمق في اعتماد نماذج قديمة لفهم صراع جديد.
القوة العسكرية، مهما بلغت، تواجه اليوم ثلاث قيود أساسية:
1. تعقيد الجغرافيا
2. تطور أدوات الحرب غير التقليدية
3. تشابك الاقتصاد العالمي
في هذا السياق، يصبح السؤال ليس:
هل يمكن الانتصار؟ بل:ما معنى الانتصار أصلًا؟
خاتمة
في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا، لم يعد الحسم السريع قاعدة، بل الاستثناء.
ما يجري في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لنموذج كامل في فهم القوة وحدودها.
وقد يكون الدرس الأهم هو أن:
القوة التي لا تُعرّف أهدافها بدقة، قد تنجح تكتيكيًا… لكنها تفشل استراتيجيًا.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

نقاط مهمة وبفهم عميق وتحليل استراتيجي مهم واستشراف للمآلات الصراع والحرب القائمة. يعجبني تحليلك العميق دكتورنا الفاضل.