top of page

جزيرة في الكاريبي

متحف كورا هولاندا: حين تُستعاد الذاكرة المنهوبة من الهامش


د. علاء محمود التميمي

كانون الاول 2025

في قلب مدينة وليمستاد بجزيرة كوراكاو، وعلى مقربة من بيوتها الملوّنة التي توحي بطمأنينة كاريبية أوروبية، يقع متحف كورا هولاندا.

لكن هذا المكان لا يستقبلك بألوانه، بل بأسئلته.

لا يقدّم نفسه كفضاء للفرجة، بل كمساحة مواجهة مع تاريخ طويل من الذاكرة المنهوبة.


هذا المتحف لا يروي قصة جزيرة فحسب، بل يضع الزائر داخل شبكة عالمية من العنف التاريخي:

إفريقيا، أوروبا، الكاريبي، والأميركيتان… جميعها حاضرة هنا لا كجغرافيا، بل كمسارات متداخلة للنهب، وإعادة التعريف، ومصادرة السرد.



تزوير التاريخ الحديث: حين يُعاد اختراع الأصل


في إحدى القاعات الأولى، يواجه الزائر لوحة بعنوان Modern Falsifications of History.

ليست لوحة تعليمية عادية، بل بيانًا معرفيًا صريحًا ضد قرون من التلاعب الأكاديمي.


تعرض اللوحة نصوصًا واقتباسات تؤكد أن مهد الحضارة الإنسانية في إفريقيا، وأن محاولة فصل مصر القديمة عن محيطها الإفريقي لم تكن نتاج بحث علمي بريء، بل نتيجة أيديولوجيا عنصرية احتاجت إلى “تبييض” التاريخ كي تبرر التفوق والاستعمار.


هنا، لا يُعرض التاريخ كما دُرِّس في المدارس، بل كما جرت مصادرته ثم إعادة تقديمه بصورة انتقائية تخدم سردية واحدة.


الممالك الإفريقية: تاريخ مسروق لا منسي


يمتد خط زمني طويل بعنوان African Kingdoms، يوثّق ممالك غانا ومالي وسونغاي، وشبكات التجارة العابرة للصحراء، ونظم الحكم والاقتصاد والتعليم.


الرسالة واضحة:

إفريقيا لم تكن فراغًا تاريخيًا، بل مركزًا فاعلًا في الاقتصاد العالمي قبل أن تُقطع طرقها، وتُنهب مواردها، ويُختطف إنسانها.


وجود هذه اللوحات في الكاريبي ليس تفصيلًا عابرًا؛ فهنا انتهى كثير من أبناء تلك الممالك، بعد أن فُصلوا عن تاريخهم كما فُصلوا عن أرضهم.


الطريق الأوسط: حين صار البحر أداة نزع إنساني


أكثر القاعات قسوة هي تلك المخصصة لـ Middle Passage – الرحلة الوسطى عبر المحيط الأطلسي.

جدار زمني صامت يبدأ من القرن الخامس عشر، ويمتد عبر التجارة الإسبانية والهولندية، وصولًا إلى الإلغاء المتأخر للعبودية.


الزمن هنا ليس أرقامًا، بل نزيفًا بطيئًا.

كل تاريخ محفور على الجدار يقابله آلاف الأجساد التي لم تصل، وآلاف القصص التي لم تُكتب.


هذه ليست ذاكرة منكوبة فحسب، بل ذاكرة منهوبة:

نُهبت الأجساد، ثم نُهبت الحكايات، ثم أُعيد بيع التاريخ في كتب أنيقة بلا ضحايا.


الإسلام والتجارة: تاريخ مركّب لا يُختزل


يعرض المتحف، بقدر من التوازن، دور التجارة العابرة للصحراء وانتشار الإسلام في غرب إفريقيا، ويستحضر شخصيات مثل مانسا موسى، الذي يذكّر بأن إفريقيا لم تكن فقط متلقية للتأثير، بل مُصدِّرة للثقافة والاقتصاد والمعرفة.


خريطة طرق التجارة عبر الصحراء تفكّك صورة إفريقيا المعزولة، وتعيد تقديمها كقارة متصلة بالعالم القديم قبل أن يُعاد رسم هذا الاتصال بالقوة.


من إفريقيا إلى بغداد: وحدة الذاكرة المنهوبة


وأنا أتجوّل في هذا المتحف، لم تكن إفريقيا وحدها حاضرة في ذهني، بل بغداد أيضًا.

فالنهب واحد، وإن اختلفت الأدوات:

مرة بالسلاسل،

ومرة بالخرائط،

ومرة بالمناهج،

ومرة بالصمت.


كما نُهبت الذاكرة الإفريقية، نُهبت ذاكرة مدننا العربية، وأُعيد تعريفها من الخارج، وحُشرت في قوالب لا تشبه تاريخها ولا عمقها الحضاري.



خاتمة


متحف كورا هولاندا ليس مكانًا للحزن، بل مساحة لاستعادة الحق في السرد.

هو تذكير بأن الذاكرة لا تموت حين تُنهب، لكنها تبقى معلّقة، تنتظر من يعيدها إلى أصحابها.


التاريخ لا يُستعاد بالبكاء عليه،

بل بامتلاك حقّ روايته.

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
حين يكون التجاهل حكمة

. حين يكون التجاهل حكمة د. علاء محمود التميمي شباط ٢٠٢٦ لا تنسَ أنّ هدفك هو عبور المستنقع، لا محاربة التماسيح التي تسكنه. والتماسيح، في معناها الإنساني، أناسٌ اختاروا العيش في العتمة، لا لأن النور بع

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page