top of page

حين يصبح المنتخب الوطني حقاً عاماً...

  • قبل 19 ساعة
  • 2 دقيقة قراءة

حين يصبح المنتخب حقاً عاماً... لا سلعةً للمزايدة

د. علاء محمود التميمي

تموز ٢٠٢٦


في كندا، كما في فرنسا وغيرها في عدد من الدول الاوربية ، ثمّة إدراك راسخ أن مباريات المنتخب الوطني ليست مجرّد "محتوى" يُباع ويُشترى، بل طقسٌ مدنيٌّ يسبق المنطق التجاري. وهنا تكمن القيمة الحقيقية: المشاهدة المجانية لمباريات المنتخب ليست ترفاً، بل حقاً أصيلاً للمواطن، تماماً كحقه في الوصول إلى المرافق العامة والمؤسسات الوطنية.


حين يرتدي أحد عشر لاعباً قميص البلد، لا يرتدون مجرّد قطعة قماش، بل علمًا يمشي على قدمين. فكيف يُعقل أن يُرفع هذا العلم خلف جدار اشتراك؟ كيف يصبح الوصول إليه مشروطاً ببطاقة ائتمان؟ المشاهدة المفتوحة بلا مقابل هي الضمانة الوحيدة لبقاء المنتخب وطنياً بالفعل لا بالادعاء.


المسألة ليست تقنية تتعلق بحقوق البث فحسب، بل سؤال أخلاقي عن معنى التمثيل الوطني. المنتخب لا يخصّ قناة بعينها، ولا شركة اتصالات راهنت بملياراتها على عزل الجمهور عن بعضه إلا بوساطتها. المنتخب، في تعريفه الجوهري، ملكٌ لمن يلوّح له من شاشة المقهى والبيت ، لمن يعلّق صورته في دكان صغير وللطفل الذي يركل كرةً من بالونات ممزقة في محلة لا تعرف الاشتراكات الشهرية.


ما يحدث اليوم - وهذا جوهر المأساة - أننا حوّلنا الفرح الوطني إلى سلعة نخبوية. جعلنا من المشاهدة المجانية استثناءً بعد أن كانت قاعدة، وجعلنا من المشاهدة المدفوعة قاعدةً بعد أن كانت استثناءً. حوّلنا "نحن" إلى "أنتم" و"هم": أنتم من تستطيعون الدفع والمشاهدة، وهم من يكتفون بالانتظار حتى تصلهم فديوات الأهداف متأخرة، مقتطعة، كفتات مائدة لا مقعد لهم عليها.


إن المطالبة بإتاحة مباريات المنتخب على القناة الرسمية للتلفزيون الوطني مجاناً ودون مقابل - خاصة في البطولات الكبرى - ليست نزوعًا اشتراكيًا ساذجًا كما يروّج البعض، بل إدراك أن ثمة لحظات وطنية لا تخضع لمنطق السوق. ثمة فرق شاسع بين استثمار تجاري مشروع في الرياضة، وبين احتكار المشاعر. يمكن للدوريات المحلية، للبطولات القارية للأندية، للمباريات الودية أن تبقى في فلكها التجاري، لكن حين يصعد المنتخب إلى منصة التتويج، أو حين يسقط على أرض الملعب بدموع الهزيمة، فلتكن هذه اللحظة مفتوحة للجميع بلا استثناء، بلا بطاقة ائتمان، بلا كلمة مرور، بلا "الرجاء تجديد الاشتراك للمتابعة".


في الدول الفقيرة تحديدًا، يصبح حق المشاهدة المجانية أكثر إلحاحًا. هناك، في الأحياء التي لا تصلها الألياف البصرية، حيث شاشة التلفزيون المتواضعة هي النافذة الوحيدة على العالم، يصبح حرمان الناس من منتخبهم ليس مجرّد عائق تقني، بل عنف رمزي، واستبعاد من صورة الوطن التي يُفترض أن تسعهم جميعًا. كيف تطلب من فقير أن يهتف لمنتخب لا يراه؟ كيف تبني انتماءً على اشتراك؟


الوصول الحر والمجاني لمباريات المنتخب ليس منّة من قناة ولا كرماً من شركة، بل واجب على الدولة أن تضمنه، وأن تشرّع له، وأن تفرضه في صلب عقود البث. فكما لا تُباع الجنسية، لا ينبغي أن يُباع الحق في مشاهدة من يمثّلها.


الرياضة، في أصفى تجلياتها، ليست انتصار الأقوى، بل انتصار المساواة المؤقتة. تسعون دقيقة يصبح فيها الجميع متساوين: الغني والفقير، المتعلم والأمي، ابن العاصمة وابن الهامش، الكل يلهث خلف الكرة ذاتها، يصرخ في اللحظة ذاتها، يحبس أنفاسه في الثانية ذاتها. فهل يعقل أن تُكسر هذه المساواة النادرة قبل أن تبدأ، بجدار من رسوم الاشتراك؟


حين يجتمع الناس أمام شاشة مفتوحة ومجانية، لا يشاهدون مجرّد مباراة. إنهم يمارسون طقسًا من أقدم طقوس الانتماء: الاجتماع حول النار. قديمًا كانت النار، واليوم هي الشاشة. والمبدأ واحد: أن يكون الضوء للجميع وبلا ثمن، وإلا صار ظلام البعض تكلفةً لإضاءة آخرين.

نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
من ملعب الشعب إلى تورونتو … ستة عقود من الانتماء

من ملعب الشعب إلى تورونتو… ستة عقود من الانتماء د . علاء محمود التميمي ٢٦ حزيران ٢٠٢٦ لم تكن مباراة العراق والسنغال في تورونتو مجرد مباراة بالنسبة لي، بل كانت رحلة أعادتني ستين عاماً إلى الوراء. عدت ب

 
 
 
حين يعلو الصدى على الفهم

خاطرة الجمعة حين يعلو الصدى على الفهم د. علاء محمود التميمي حزيران ٢٠٢٦ من أخطر ما يواجه المجتمعات أن تنتشر فيها الآراء أسرع من المعرفة، وأن تصبح الكلمات قابلة للتداول قبل أن تكون قابلة للفهم. فكم من

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page