
فن التفاوض الإيراني: قراءة في كتاب Negotiating with Iran – Wrestling the Ghosts of History
- Alaa Tamimi

- قبل 12 دقيقة
- 4 دقيقة قراءة
دراسة تحليلية
د علاء محمود التميمي
شباط ٢٠٢٦
منذ أكثر من أربعة عقود، والعالم يراقب مشهداً تفاوضياً معقّداً بين إيران والغرب. جولات تبدأ ثم تتوقف، اتفاقات تلوح ثم تتعثر، رسائل خلف الكواليس، ولغة تصعيد علنية تقابلها براغماتية هادئة في الغرف المغلقة. أمام هذا المشهد المتكرر يبرز سؤال جوهري:
لماذا يبدو التفاوض مع إيران مختلفاً وصعباً إلى هذا الحد؟
أحد أهم الكتب التي حاولت الإجابة عن هذا السؤال بعمق هو كتاب:
Negotiating with Iran – Wrestling the Ghosts of History
للدبلوماسي الأمريكي المخضرم جون دبليو لمبرت (John W. Limbert).
لا يكتب لمبرت عن إيران من بعيد. فهو دبلوماسي أمريكي قضى سنوات طويلة في التعامل المباشر مع الشأن الإيراني، ويجيد اللغة الفارسية، وعاش تفاصيل المجتمع الإيراني وثقافته السياسية. والأهم من ذلك أنه كان أحد الرهائن الأمريكيين في أزمة السفارة بطهران عام 1979، وهي تجربة تركت أثراً عميقاً في فهمه لطبيعة التفكير الإيراني.
هذه الخلفية تجعل الكتاب ليس مجرد عمل أكاديمي نظري، بل خلاصة تجربة شخصية ومهنية طويلة، ممزوجة بقراءة تاريخية دقيقة لمسار العلاقات الإيرانية–الغربية.
الفكرة المحورية للكتاب و الرسالة الأساسية التي يدافع عنها لمبرت هي أن:
التفاوض مع إيران ليس مفاوضة حول ملف سياسي معاصر فحسب، بل هو مواجهة مع تاريخ متراكم من الذاكرة والشكوك والهواجس.
الغرب – بحسب المؤلف – يدخل التفاوض بعقلية عملية: يريد حل مشكلة محددة، وفق جداول زمنية واضحة، وبمنطق تقني مباشر.
أما المفاوض الإيراني فيدخل القاعة وهو يحمل معه قروناً من التجارب:
• تدخلات خارجية متكررة
• إسقاط حكومة مصدق عام 1953
• دعم الغرب للعراق في حرب الثمان سنوات
• عقوبات طويلة الأمد
• شعور دائم بأن القوى الكبرى لا تحترم السيادة الإيرانية
لذلك فالمفاوضة عند الإيراني ليست مجرد صفقة سياسية، بل اختبار للكرامة الوطنية والندية والاعتراف بالمكانة.
ومن هنا جاء العنوان الدال للكتاب:
“مصارعة أشباح التاريخ”.
يعتمد لمبرت على تحليل أربع محطات تفاوضية تاريخية لشرح السلوك الإيراني بالرغم من اختلاف الحاكم الإيراني :
1. أزمة أذربيجان (1945–1946) بعد الحرب العالمية الثانية
2. أزمة تأميم النفط (1951–1953) في عهد محمد مصدق
3. أزمة الرهائن الأمريكيين (1979–1981)
4. مفاوضات إنهاء الحرب العراقية–الإيرانية
ومن خلال هذه الحالات يستخلص المؤلف نمطاً ثابتاً من التفكير التفاوضي الإيراني، يمكن تلخيصه في عدة سمات أساسية.
أولاً: حضور التاريخ في كل جلسة
الغربي يفاوض مشكلة محددة.
الإيراني يفاوض تاريخاً كاملاً.
كل جولة تفاوض تُقرأ في طهران على ضوء قرن كامل من التجارب مع الغرب. ولذلك كثيراً ما يُساء فهم مواقف إيران إذا نُظر إليها بمعايير تقنية مجردة.
ثانياً: الكرامة قبل التفاصيل
يؤكد الكتاب أن الهدف غير المعلن في كثير من المفاوضات الإيرانية هو:
• الحصول على الاعتراف
• إثبات الندية
• رفض أي شعور بالتعالي أو الإملاء
ولهذا قد ترفض إيران عرضاً سخياً إذا شعرت أن قبوله سيظهرها بمظهر الضعيف أو المُذعن.
ثالثاً: الصبر كسلاح تفاوضي
الإيرانيون – كما يصفهم لمبرت – “أصدقاء الوقت”.
• لا يستعجلون الحلول
• يفضّلون المفاوضات الطويلة
• يستخدمون التأجيل والمماطلة تكتيكاً مقصوداً
بينما ينظر المفاوض الغربي إلى الزمن باعتباره ضغطاً، ترى إيران أن الوقت غالباً ما ينهك الطرف الآخر أكثر مما ينهكها.
رابعاً: الغموض اللغوي والثقافي
في الثقافة التفاوضية الإيرانية:
• عبارة “سننظر في الأمر” قد تعني رفضاً
• “نحتاج لمزيد من الوقت” ليست بالضرورة موافقة مبدئية
هذا الاختلاف في دلالات اللغة يؤدي كثيراً إلى سوء فهم بين الطرفين.
خامساً: الفصل بين العلن والسر
الخطاب الإيراني العلني غالباً حاد ومتصاعد، لكن:
• داخل غرف التفاوض تسود البراغماتية
• تُقدَّم التنازلات بهدوء
• تُصاغ الحلول بعقلانية
ومن لا يفرّق بين الخطابين يظن أن إيران تتصرف بازدواجية، بينما هي في الحقيقة تدير معركة داخلية وخارجية في آن واحد.
سادساً: حفظ ماء الوجه
أهم قاعدة في أي اتفاق مع إيران هي أن يظهر داخلياً على أنه:
• انتصار دبلوماسي
• نتيجة صمود
• وليس خضوعاً لضغط خارجي
وإلا يصبح الاتفاق سياسياً غير قابل للتسويق داخل النظام الإيراني.
توصيات عملية للمفاوضين
يختتم لمبرت كتابه بمجموعة مبادئ إرشادية، من أهمها:
• افهم التاريخ قبل أن تبدأ التفاوض
• تجنّب لغة التهديد والإملاء
• امنح الطرف الإيراني مساحة رمزية لحفظ الكرامة
• لا تتوقع نتائج سريعة
• ميّز دائماً بين الخطاب الإعلامي والموقف الحقيقي
• ابنِ علاقات شخصية وثقة متبادلة
• لا تفسّر الغموض على أنه قبول
الاستنتاج الأهم في الكتاب أن:
الإيرانيين ليسوا غير عقلانيين كما يصوّرهم الإعلام الغربي، بل عقلانيون جداً… لكن وفق منطق مختلف.
من لا يفهم هذا المنطق سيبقى أسير دهشة دائمة أمام سلوك إيران التفاوضي، وسيظن أن ما يجري فوضى أو مراوغة، بينما هو في الواقع أسلوب تفاوض متجذّر ثقافياً وتاريخياً.
يظل الكتاب مهماً اليوم ونحن نتابع الجولة الأخيرة للمفاوضات في مسقط ولأن المشهد الذي وصفه لمبرت قبل أكثر من خمسة عشر عاماً لا يزال يتكرر حرفياً:
• مفاوضات نووية طويلة
• جولات تبدأ ثم تتوقف
• رسائل خلف الكواليس
• لغة تصعيد في العلن
• وبراغماتية في الخفاء
ومن دون فهم هذا الإطار الثقافي والتاريخي، سيبقى التعامل مع إيران أقرب إلى حوار طرشان.
كلمة أخيرة
يعلمنا هذا الكتاب درساً بالغ الأهمية:
في السياسة كما في الحياة، لا يكفي أن تفهم ما يقوله الطرف الآخر، بل يجب أن تفهم كيف يفكّر ولماذا يفكّر بهذه الطريقة.
ومن هنا تأتي قيمة هذا العمل:
إنه لا يقدّم وصفة سحرية للتفاوض مع إيران، لكنه يقدّم ما هو أهم:
مفاتيح لفهم العقل الذي يقف على الجانب الآخر من الطاولة.

تعليقات