top of page

مئذنة بعيدة وذاكرة قريبة

مئذنة بعيدة… وذاكرة قريبة

الجامع الإسلامي في كوراكاو بين الجغرافيا والهوية

د علاء محمود التميمي

كانون الاول ٢٠٢٥


في مدينة ويلمستاد، عاصمة جزيرة كوراكاو الكاريبية، ترتفع مئذنة خضراء نحيلة بهدوء فوق أسطح القرميد الأحمر، لا تنافس الأفق ولا تُعلن عن نفسها بصخب، بل تكتفي بأن تكون علامة ذاكرة. جامعٌ صغير في حجمه، كبير في دلالته، يحضر كصوتٍ روحيٍّ خافت في جزيرة يغلب عليها الطابع الكاثوليكي والهولندي.


هذا الجامع، المعروف باسم جامع عمر بن الخطاب، هو أقدم وأهم مركز إسلامي في كوراكاو، وقد بدأ بناؤه في عام 1963، واكتمل عام 1965، قبل أن يُفتتح رسميًا في الأول من أيار/مايو 1966. لم يكن مشروعًا حكوميًا ولا مبادرة سياسية، بل ثمرة تضامن ديني عابر للحدود؛ إذ ساهم في تمويله مسلمون من السعودية وليبيا، إضافة إلى دعم من جاليات مسلمة في ترينيداد وتوباغو.


يتّسع الجامع لنحو 200 مصلٍّ، لكنه يتجاوز وظيفته التعبدية ليؤدي دور المركز الإسلامي في الجزيرة: مكان للصلاة، وفضاء اجتماعي وثقافي، وحاضنة لهوية أقلّية اختارت أن تعيش إيمانها بلا صدام مع المكان.


الجالية المسلمة: أقلية بلا انغلاق


يُقدَّر عدد المسلمين في كوراكاو اليوم بنحو 1500 شخص تقريبًا، أي أقل من 1% من مجموع السكان. تعود جذور هذه الجالية إلى أكثر من قرن، وتتكوّن أساسًا من عائلات ذات أصول لبنانية وسورية، إلى جانب مسلمين من سورينام وجزر الكاريبي المجاورة. يعمل معظمهم في التجارة والأعمال الصغيرة، وقد اندمجوا بهدوء في نسيج المجتمع المحلي دون أن يذوبوا فيه.


لا يرفع المسلمون هنا شعارات كبرى، ولا يسعون إلى فرض حضورهم؛ حضورهم يشبه جامعهم: واضح بلا استفزاز، ثابت بلا صخب. والمئذنة التي تلوح في الصورة لا تُشبه مآذن المدن الكبرى، لكنها تحمل المعنى ذاته: الإيمان حين يُصالح المكان، يصبح جزءًا من المشهد المدني لا غريبًا عنه.


قراءة في الصورة


الصورة التي التُقطت لهذا الجامع تُجسّد لحظة توازن نادرة:

سماء واسعة، مدينة منبسطة، ومئذنة وحيدة تقول الكثير بلا كلام.

في جزيرة عُرفت بتاريخ الاستعمار والهجرات والتنوّع الثقافي، يبدو هذا الجامع كأنه ذاكرة منقولة عبر البحار، وصلت إلى هنا واستقرّت دون أن تطالب بشيء سوى حق الوجود.


إنه جامعٌ يُذكّر الزائر بأن الهوية ليست دائمًا صاخبة، وأن الذاكرة حين تكون واثقة، لا تحتاج إلى ضجيج كي تُرى.

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
حين يكون التجاهل حكمة

. حين يكون التجاهل حكمة د. علاء محمود التميمي شباط ٢٠٢٦ لا تنسَ أنّ هدفك هو عبور المستنقع، لا محاربة التماسيح التي تسكنه. والتماسيح، في معناها الإنساني، أناسٌ اختاروا العيش في العتمة، لا لأن النور بع

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page