من «ضربة قطع الرأس» إلى حرب الاستنزاف
- قبل 8 ساعات
- 3 دقيقة قراءة
قراءة في مقابلة سكوت ريتر حول الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران
د. علاء محمود التميمي
فبراير 2026
مقدمة
قبل ساعات فقط، كانت الأسئلة تدور حول احتمال الحرب.
اليوم، لم يعد السؤال: هل ستقع؟ بل: إلى أين يمكن أن تمتد؟
في هذا السياق المشحون، جاءت مقابلة سكوت ريتر—مفتش الأسلحة السابق في الأمم المتحدة وضابط الاستخبارات الأمريكي الأسبق—ليس بوصفها خبرًا عاجلًا، بل كتحذير استراتيجي من منطق الحرب حين يبدأ، ومن صعوبة السيطرة عليه حين يفشل هدفه الأول.
ما يطرحه ريتر يستحق التوقف، لا لأنه “نبوءة”، بل لأنه يقدّم قراءة من داخل العقل العسكري الأمريكي نفسه.
1. الهدف لم يكن ردعًا… بل تغيير النظام
بحسب ريتر، لم يكن الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي مجرد ضربة محدودة أو رسالة ردع، بل محاولة صريحة لـ تغيير النظام الإيراني عبر ما يُعرف عسكريًا بـ ضربة قطع الرأس، أي استهداف القيادة العليا السياسية والدينية والعسكرية دفعة واحدة.
لكن النتيجة—حتى الآن—أن القيادة الأساسية بقيت، وهو ما يعني أن الهدف المركزي للحملة لم يتحقق منذ اللحظة الأولى.
2. لماذا يُعد الفشل الأول أخطر من كل ما بعده؟
يذكّر ريتر بقاعدة بسيطة في الحروب:
إذا أعلنت أن هدفك هو إسقاط النظام، ولم تسقطه في الضربة الافتتاحية، فأنت تدخل تلقائيًا في سلسلة إخفاقات.
فالخطط العسكرية تُبنى على افتراض النجاح السريع. وعندما يفشل هذا الافتراض، تُستنزف الموارد في محاولة تصحيح المسار بدل الانتقال إلى مراحل لاحقة، ويبدأ “أثر الدومينو”.
3. الحرب تُقاس بالذخيرة لا بالشعارات
النقطة المحورية في تحليل ريتر أن هذه الحرب ليست مسألة إرادة سياسية فقط، بل حرب موارد، وتحديدًا حرب ذخيرة.
فالولايات المتحدة—بحسب تحذيرات عسكرية سابقة—لا تملك مخزونًا مفتوحًا لحرب طويلة عالية الشدة. لذلك، كان الرهان على حسم سريع. ومع تعثر الضربة الأولى، يصبح الاستنزاف عاملًا حاسمًا، لا يمكن تعويضه بسهولة.
4. إيران لا تتعامل مع “سُلّم تصعيد”
حين سُئل عن اتساع الرد الإيراني جغرافيًا، قال ريتر إن إيران لا ترى ما يجري بوصفه جولة ردود متبادلة، بل صراعًا وجوديًا.
وعندما تشعر دولة أن النظام نفسه مستهدف، فإن منطق “الضربة مقابل الضربة” يسقط، ويحل محله منطق البقاء:
ماذا لدينا لنخسره؟
5. النصر والهزيمة… تعريف مختلف
في قراءة ريتر، لا تحتاج إيران إلى إسقاط واشنطن أو تدمير إسرائيل كي “تنتصر”.
يكفيها—بحسب منطقه—أن تصمد، وأن تفشل محاولة تغيير النظام.
ففي الحروب، عدم تحقيق الهدف المعلن هو هزيمة سياسية، حتى لو استمر القتال عسكريًا.
6. الخليج في مرمى الاختبار
يرى ريتر أن ضرب أهداف في دول الخليج يضع الأنظمة هناك أمام اختبار داخلي صعب:
إذا كانت الحماية الأمريكية “مضمونة”، فلماذا وصلت الصواريخ؟
وهنا لا تكمن الخطورة في الضربة ذاتها، بل في أثرها على الشرعية والثقة.
7. لماذا كان الاستعجال بالحرب؟
يشرح ريتر أن الحروب الكبرى لا تُحسم فقط بالقرار السياسي، بل بمنطق التدفق اللوجستي.
حين تُنقل القوات والذخائر وتُحشد القدرات، يصبح التراجع مكلفًا ومعقّدًا، وتُفرض نافذة زمنية “إما أن تُستعمل القوة فيها… أو تُسحب”.
ويربط ذلك بالحسابات السياسية الداخلية الأمريكية وتوقيت الانتخابات، معتبرًا أن قرار الحرب لم يكن منفصلًا عن هذا السياق.
8. الصواريخ والدفاعات: كسر الوهم
من أخطر ما يقوله ريتر إن إيران استفادت من مواجهات سابقة لفهم كيفية عمل منظومات الدفاع الصاروخي المتكاملة، ثم انتقلت إلى نمط ضربات محدودة العدد لكنها غير قابلة للاعتراض.
ويخلص إلى نتيجة صادمة:
الدفاعات الصاروخية لا توفّر حماية مطلقة، بل وهمًا مكلفًا.
9. الحرب والشرعية
يصف ريتر ما يجري بأنه حرب اختيار لا حرب ضرورة، ويرى أنها تُضعف مصداقية الولايات المتحدة، خصوصًا إذا جاءت بينما كانت قنوات تفاوض مفتوحة.
وفي رأيه، أخطر ما في ذلك ليس الضربة العسكرية، بل الرسالة السياسية:
أن القوة تُقدَّم على القانون.
10. إلى أين؟
يحذّر ريتر من أن أخطر خط أحمر هو نقل الحرب إلى الاقتصاد والطاقة.
إغلاق مؤقت لممر بحري يمكن احتواؤه، أما ضرب منشآت الطاقة فهو ضرر طويل الأمد قد يهز الاقتصاد العالمي.
ويرى أن دور روسيا والصين—إن وُجد—سيكون في محاولة احتواء هذا الانزلاق، لا توسيعه.
خاتمة
ما قاله سكوت ريتر لا يجب أن يُقرأ كحقيقة نهائية، بل كتنبيه قاسٍ:
الحروب قد تبدأ بقرار، لكنها نادرًا ما تنتهي بإرادة من بدأها.
الضربة الأولى قد تكون اختيارًا،
أما ما يليها… فكثيرًا ما يصبح قدرًا.


تعليقات